اليوم الثاني من مؤتمر ميونيخ للأمن يشهد مواقف سياسية حادة ورسائل استراتيجية
برلين – المنشر_الاخباري
انطلقت أعمال اليوم الثاني من مؤتمر ميونيخ للأمن لعام 2026 في مدينة ميونيخ بألمانيا، وسط حضور واسع لشخصيات دولية بارزة، أبرزهم الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روتّي، إلى جانب مسؤولين من الصين، المملكة المتحدة، الهند، ودول أخرى.
شهدت الجلسات نقاشات معمقة حول مستقبل الأمن العالمي، التهديدات الجيوسياسية المتصاعدة، والصراعات الإقليمية، مع التركيز على إعادة ترتيب تحالفات الغرب بعد نصف قرن من الحرب الباردة، وضرورة تعزيز الشراكات الدولية لمواجهة المخاطر الحديثة.
وزير الخارجية الأميركي: الولايات المتحدة وأوروبا جزء من حضارة واحدة
في خطاب حمل رسائل سياسية حادة ومراجعات فكرية لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا تتجاوز حدود التحالفات التقليدية، واصفًا الطرفين بأنهما “جزء من حضارة واحدة”.
وشدد روبيو على أن المصير الأوروبي مرتبط بشكل وثيق بالولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن الشراكة عبر الأطلسي لا تقوم فقط على التحالفات العسكرية، بل على القيم والتاريخ والثقافة المشتركة التي تربط القارتين.
وأضاف روبيو أن الولايات المتحدة تعتبر أوروبا صديقة وشريكًا استراتيجيًا دائمًا، وأن أي ضعف في أوروبا سينعكس على الأمن القومي الأميركي، مؤكداً أن العلاقة بين الطرفين ليست مجرد مصالح سياسية مؤقتة، بل رابطة حضارية عميقة.
مراجعة نقدية لما بعد الحرب العالمية الثانية
استعرض روبيو الأخطاء الاستراتيجية للغرب بعد الحرب العالمية الثانية، واصفًا مرحلة ما بعد عام 1945 بأنها “وهم نهاية التاريخ”، حيث اعتقد الغرب أن الديمقراطية الليبرالية ستنتشر تلقائيًا، وأن التجارة الحرة ستغني عن المصالح الوطنية.
وأشار الوزير الأميركي إلى أن سياسات إعادة التصنيع خارج أوروبا ونقل ملايين الوظائف إلى الخارج أدت إلى ضعف القدرات الاقتصادية الغربية، فيما استفاد المنافسون من هذه السياسات لتعزيز نفوذهم العالمي، مضيفًا أن هذه الأخطاء الاستراتيجية أثرت سلبًا على قدرة الدول الغربية في حماية مصالحها وسيادتها.
الهجرة والسياسات البيئية: تحديات جديدة للغرب
ربط روبيو بين الدعوات إلى “عالم بلا حدود” وموجات الهجرة الجماعية غير المسبوقة، محذرًا من تهديدها لتماسك المجتمعات الغربية والحفاظ على الثقافة والهوية الوطنية.
وانتقد أيضًا السياسات البيئية لبعض الدول الغربية، واصفًا إياها بأنها أضعفت المجتمعات الداخلية بينما استفاد المنافسون من النفط والفحم والغاز الطبيعي لتعزيز قوتهم الاقتصادية والسياسية، مشددًا على ضرورة موازنة حماية البيئة مع الحفاظ على القدرة الاقتصادية والدفاعية للدول.
إعادة بناء تحالف غربي قوي وفعال
أكد روبيو على ضرورة إعادة بناء تحالف غربي قوي يقوم على الشراكة الفاعلة بين الولايات المتحدة وأوروبا، مع احترام السيادة الوطنية والهوية الثقافية.
ودعا إلى إصلاح المؤسسات الدولية بدل هدمها، مشيرًا إلى أن الأمم المتحدة لا تزال قادرة على لعب دور إيجابي إذا تمت إعادة هيكلتها وإصلاحها بشكل فعال. وأوضح أن إصلاح النظام الدولي يجب أن يركز على معالجة الأزمات الكبرى وتوحيد المواقف الغربية لمواجهة التهديدات المشتركة.
دور الولايات المتحدة في أوكرانيا وغزة
فيما يخص الملفات الساخنة، شدد روبيو على أهمية الدور الأميركي في دعم أوكرانيا وحماية استقرار المنطقة، مؤكدًا ضرورة الاستمرار في الضغط الاقتصادي والعسكري على روسيا لحماية الأمن الأوروبي.
كما أشار إلى أهمية جهود الولايات المتحدة في مسار وقف إطلاق النار في غزة، مؤكدًا أن القيادة الأميركية ضرورية للحفاظ على استقرار الشرق الأوسط والعالم، مشددًا على ضرورة أن يكون الغرب متحدًا أمام أي تهديدات خارجية تهدد المصالح المشتركة.
مؤتمر ميونيخ: منصة لإعادة ترتيب أوراق الغرب
تعتبر نسخة 2026 من مؤتمر ميونيخ للأمن لحظة محورية للغرب لمراجعة تحالفاته، تعزيز شراكاته مع الحلفاء، ووضع استراتيجيات واضحة لمواجهة التحديات الجيوسياسية المتزايدة.
تركز الجلسات على الأمن الإقليمي، المنافسة بين القوى الكبرى، مستقبل العلاقات عبر الأطلسي، وقضايا التكنولوجيا والطاقة والهجرة، مع حضور واسع لقادة العالم وصناع القرار الدوليين، ما يعكس أهمية المؤتمر كمنصة حقيقية لإعادة ترتيب أولويات الغرب واستراتيجياته في القرن الحادي والعشرين.
حضور عالمي واسع
شهد المؤتمر مشاركة مسؤولين رفيعي المستوى من جميع أنحاء العالم، بمن فيهم وزراء خارجية الصين والهند والمملكة المتحدة، وقادة الاتحاد الأوروبي، ورؤساء دول وحكومات، في جلسات حوارية ناقشت الأمن العالمي، النزاعات الإقليمية، والتعاون الدولي لمواجهة التحديات الاستراتيجية المستقبلية.
وشمل اليوم الثاني أيضًا محادثات ثنائية واجتماعات متعددة الأطراف، ركزت على تعزيز الأمن الإقليمي، تطوير السياسات الدفاعية المشتركة، ومواءمة السياسات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وأوروبا في مواجهة المنافسة من القوى الناشئة.
أكد المؤتمر على أن الغرب أمام مرحلة حاسمة لإعادة تقييم تحالفاته، معالجة الأخطاء الاستراتيجية الماضية، وضمان قدرة الدول الغربية على الدفاع عن مصالحها الثقافية والاقتصادية والسياسية في مواجهة التحديات العالمية.
وشدد المشاركون على أن الوحدة والتعاون بين الولايات المتحدة وأوروبا ليسا خيارًا، بل ضرورة لضمان استقرار النظام الدولي، مواجهة التهديدات الجيوسياسية، وحماية الأمن الجماعي.










