بروكسل – 16 فبراير 2026، في خطوة تعكس حجم القلق من التحولات السياسية في باريس، بدأت الحكومات الأوروبية تدارس سيناريوهات غير تقليدية لتسريع عملية اختيار خليفة لـ كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، قبل الموعد المقرر لانتهاء ولايتها في أكتوبر 2027.
ويهدف هذا التحرك الاستباقي إلى قطع الطريق أمام أي تدخل محتمل من “اليمين المتطرف” الفرنسي في حال وصوله إلى السلطة في انتخابات ربيع 2027.
“الدرس الفرنسي” وشرارة التغيير
أثار الرحيل المبكر والمفاجئ لمحافظ بنك فرنسا، فرانسوا فيليروي دي غالهو، نقاشات واسعة في أروقة منطقة اليورو. هذا الاستقالة تعني أن الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون هو من سيختار خليفته، مما ألهم صناع القرار في بروكسل لتكرار التجربة على المستوى الأوروبي.
واتخاذ قرار التعيين في ظل رئاسة ماكرون “أكثر أمانا واستقرارا” من التفاوض مع مارين لوبان أو جوردان بارديلا، اللذين يحملان رؤى “صدامية” تجاه دور البنك المركزي الأوروبي واستقلاليته.
صفقة “حزمة التعيينات”: تحصين نهاية 2026
وفقا لمصادر مطلعة، تناقش حاليا إمكانية التوصل إلى “اتفاق شامل” (Package Deal) بحلول نهاية عام 2026، يشمل عدة مناصب قيادية تنتهي ولايات أصحابها في 2027، وهي رئاسة البنك المركزي الأوروبي (خلفا للاغارد)، ومنصب كبير الاقتصاديين (خلفا لفيليب لين – مايو 2027)، وعضوية المجلس التنفيذي (خلفا لإيزابيل شنابل – نهاية 2027).
و إتمام التعيينات قبل انطلاق الحملات الانتخابية الفرنسية الشرسة، لضمان استقرار الأسواق وحماية السياسة النقدية من التجاذبات السياسية.
مخاوف من “التسييس” وضغوط اليمين
تخشى بروكسل والبنك المركزي الألماني (البوندسبنك) من تصريحات جوردان بارديلا، الذي لوح سابقا بالضغط على البنك المركزي لإعادة تفعيل “التيسير الكمي” لمواجهة الديون الفرنسية الضخمة.
هذا النوع من الضغوط يراه المصرفيون الأوروبيون تهديدا لاستقلالية المؤسسة، ويشبهونه بضغوط دونالد ترامب على “الفيدرالي الأمريكي”.
بحسب استطلاع أجرته بلومبيرغ لآراء الاقتصاديين، يعتبر محافظ البنك المركزي الهولندي كلاس نوت المرشح الأوفر حظا لخلافة لاغارد على رأس البنك المركزي الأوروبي. ومن بين المرشحين المحتملين الآخرين رئيس البنك المركزي الألماني ناغل، ورئيس بنك التسويات الدولية الإسباني بابلو هيرنانديز دي كوس.
يمكن لاتفاق مبكر أن يوازن بين الطموحات الوطنية – خاصة إذا سعت فرنسا إلى دور رئيسي، مثل كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي – مع طمأنة دول مثل ألمانيا وإسبانيا بأنها ستحتفظ بنفوذها في المجلس التنفيذي.
عنصر المفاجأة: هل تغادر لاغارد مبكرا؟
رغم تأكيدها أنها “لا تستسلم بسهولة”، إلا أن التاريخ المهني للاغارد (التي تركت صندوق النقد دولي مبكرا) يفتح الباب أمام احتمال استقالتها قبل أكتوبر 2027، خاصة مع تواتر شائعات حول انتقالات محتملة لجهات دولية مثل المنتدى الاقتصادي العالمي.
إن توقيت اختيار رئيس البنك المركزي الأوروبي القادم بات لا يقل أهمية عن هوية الشخصية المختارة؛ فالمعركة القادمة ليست نقدية فحسب، بل هي معركة وجودية لحماية استقلال المؤسسة من رياح التغيير السياسي في فرنسا.










