بين تنويع الشركاء وتصاعد التهديدات البحرية.. السعودية تعيد رسم خريطة أمنها الدفاعي من البحر إلى الجو
الرياض- المنشر الإخبارى
في خطوة تعكس إعادة تموضع استراتيجي في أولوياتها الدفاعية، تمضي المملكة العربية السعودية نحو تعزيز قدراتها البحرية عبر شراكات متعددة الاتجاهات، تجمع بين أوروبا وآسيا، في مشهد يكشف عن ملامح مرحلة جديدة في توازنات الأمن الإقليمي.
صفقة إيطالية لتعزيز الدوريات البحرية
أعلنت شركة ليوناردو الإيطالية للصناعات الدفاعية في 16 فبراير 2026 أنها ستزود وزارة الدفاع السعودية بأربع طائرات دورية بحرية من طراز C-27J Spartan، على أن تبدأ عمليات التسليم في عام 2029.
الطائرات الجديدة لا تقتصر مهمتها على النقل العسكري، بل تم تجهيزها بأنظمة استطلاع بحري متقدمة، وقدرات بحث وإنقاذ، وإمكانيات تنفيذ مهام متعددة الأدوار، ما يمنح القوات البحرية السعودية هامش حركة أوسع في مراقبة المجالين البحري والجوي.
التحرك السعودي يأتي في سياق متصاعد من التهديدات غير التقليدية في البحر الأحمر والخليج العربي، من تهريب الأسلحة والطائرات المسيّرة إلى الهجمات على خطوط الملاحة، وهو ما يفسر التركيز الواضح على حماية السواحل والمياه الإقليمية وتأمين الممرات البحرية الحيوية.
مؤتمر الدفاع العالمي.. أرقام تعكس طموحًا عسكريًا
يتزامن الإعلان عن الصفقة مع انعقاد مؤتمر الدفاع العالمي في السعودية، والذي شهد الإعلان عن صفقات عسكرية ودفاعية بلغت قيمتها الإجمالية نحو 9.6 مليار دولار، في مؤشر واضح على تسارع وتيرة الإنفاق الدفاعي وتوسيع شبكة الشراكات الاستراتيجية.
اللافت أن إيطاليا تبرز كأحد أهم موردي السلاح إلى الشرق الأوسط؛ إذ تشير تقديرات إلى أنها استحوذت على نحو 12% من إجمالي واردات الأسلحة إلى المنطقة خلال الفترة بين 2020 و2024، ما يعكس تنامي الحضور الأوروبي في سوق التسليح الخليجي.
تنويع الشركاء.. رسالة سياسية قبل أن تكون عسكرية
الصفقة مع إيطاليا لا يمكن فصلها عن سياسة سعودية أوسع لتنويع مصادر السلاح، في ظل ضغوط متكررة من الولايات المتحدة وبعض العواصم الأوروبية بشأن شروط التصدير واعتبارات حقوق الإنسان.
في المقابل، تمضي الرياض في تعزيز تعاونها الصناعي العسكري مع الصين، حيث افتُتح في الكويت مصنع “نايف” للذخائر الخفيفة بالشراكة مع بكين، في خطوة تعكس رغبة خليجية أوسع في توطين الصناعات الدفاعية وتقليل الاعتماد على الموردين التقليديين.
هذا التوازن بين الغرب والشرق يمنح السعودية هامش مناورة سياسيًا واستراتيجيًا، ويؤكد أن خياراتها الدفاعية لم تعد حكرًا على محور واحد.
قراءة نقدية: سباق تسلح أم إعادة تموضع دفاعي؟
السؤال الجوهري هنا: هل تمثل هذه التحركات سباق تسلح جديد في المنطقة، أم أنها إعادة هيكلة دفاعية فرضتها التحولات الأمنية؟
من منظور واقعي، تبدو الرياض معنية بتأمين مصالحها البحرية في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، خاصة أن أمن الطاقة العالمي وخطوط التجارة الدولية يمرّ عبر مياهها. لكن في الوقت ذاته، فإن تسارع وتيرة الصفقات العسكرية يطرح تساؤلات حول كلفة هذا التوسع الدفاعي وانعكاساته على موازين القوى الإقليمية.
ما يجري ليس مجرد شراء طائرات، بل إعادة صياغة لعقيدة دفاعية تضع البحر في صدارة الأولويات، وتؤكد أن أمن السواحل بات مرادفًا لأمن الدولة ذاته.
في المحصلة، تعكس صفقة طائرات C-27J Spartan مع ليوناردو تحولًا نوعيًا في الاستراتيجية السعودية: تعزيز القدرات البحرية، تنويع الشراكات، وبناء منظومة ردع متعددة المصادر في منطقة لا تعرف الاستقرار طويل الأمد.










