الولايات المتحدة تنهي وجودها العسكري المباشر في سوريا مع مراقبة مستمرة للتهديدات الإقليمية
واشنطن – 18 فبراير 2026 – المنشر الإخبارى
أعلنت مصادر أمريكية مطلعة، في تصريحات لـ وول ستريت جورنال، أن الولايات المتحدة بدأت الانسحاب الكامل لقواتها البالغ عددها نحو ألف جندي من الأراضي السورية، في خطوة اعتُبرت بمثابة إعادة ترتيب استراتيجية واشنطن في الشرق الأوسط. وأكد المسؤولون أن هذا القرار لا يرتبط بالوجود الأخير للقوات البحرية والجوية الأمريكية في المنطقة، المهيأة لأي عمليات محتملة ضد إيران في حال فشل المفاوضات حول برنامجها النووي.
ويأتي الانسحاب بعد إتمام القوات الأمريكية سحبها من مواقع رئيسية، بما في ذلك القاعدة الاستراتيجية في الركن الشمالي الشرقي السوري (الشدادي)، والقاعدة الحدودية في التنف على المثلث الحدودي بين سوريا، العراق، والأردن، وهي نقاط كانت تلعب دورًا مهمًا في عمليات مكافحة تنظيم داعش ومراقبة التحركات الإيرانية في المنطقة.
وأشار المسؤولون إلى أن الانسحاب من المواقع الأمريكية المتبقية سيتم خلال شهرين، مع الإبقاء على آليات مراقبة ورصد عن بعد لضمان استمرار النفوذ الأمريكي وتأمين مصالحها في سوريا والمنطقة بشكل أوسع. وأوضحوا أن إعادة تموضع القوات لا تعني تراجعًا عن الالتزامات الأمنية أو التخلي عن الحلفاء المحليين، بل هي جزء من استراتيجية أكبر لإعادة نشر القوات بشكل مرن وذكي يوازن بين الحاجة إلى الردع والحفاظ على النفوذ.
السياق العسكري والسياسي للانسحاب
تأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه سوريا مرحلة حساسة سياسيًا وأمنيًا، بعد سنوات من الحرب الداخلية وتدخل قوى إقليمية ودولية متعددة. وبحسب مسؤولين أمريكيين، فإن الانسحاب يتيح للولايات المتحدة خفض المخاطر المباشرة على الجنود الأمريكيين، مع التركيز على استخدام القوة الجوية والاستخباراتية والتكنولوجيا العسكرية الحديثة لمراقبة الوضع عن بعد.
كما أن القرار ينسجم مع سياسة واشنطن الرامية إلى التحول من التواجد البري المباشر إلى أدوات النفوذ الاقتصادية والدبلوماسية، بما يشمل فرض العقوبات، ودعم شركاء محليين مثل قوات سوريا الديمقراطية، التي لعبت دورًا محوريًا في الحرب ضد داعش. ويُنظر إلى الانسحاب أيضًا كإشارة لإيران وروسيا وحلفائهما بأن الولايات المتحدة لن تتخلى عن مصالحها الاستراتيجية رغم تقليص وجودها المباشر على الأرض.
ردود الأفعال الإقليمية والدولية
أثار إعلان الانسحاب ردود فعل متباينة على المستويين الإقليمي والدولي. ففي إسرائيل، أعربت مصادر سياسية وأمنية عن قلقها من الفراغ الذي قد تتركه القوات الأمريكية، خصوصًا في مراقبة النشاط الإيراني وتهديداته في سوريا. أما موسكو، فقد رحبت بالخطوة معتبرةً أنها تخفف من التوتر المباشر مع واشنطن، لكن مصادر دبلوماسية لاحظت أن الانسحاب الأمريكي لا يعني تراجع النفوذ، بل إعادة توجيه الاستراتيجية نحو أدوات غير مباشرة.
وفي العراق والأردن، رحبت الحكومات المحلية بالقرار، مشيرة إلى أنه يقلل من الضغوط الأمنية على الحدود المشتركة مع سوريا، ويتيح تركيز الجهود على إعادة الإعمار ومواجهة التهديدات الأمنية الداخلية، بما في ذلك الجماعات المسلحة المتبقية.
أدوات النفوذ الأمريكية بعد الانسحاب
رغم الانسحاب الفعلي للقوات، أكدت المصادر الأمريكية أن واشنطن ستستمر في مراقبة المنطقة من خلال عدة وسائل:
1. الاستخبارات الجوية والفضائية: استخدام طائرات مسيرة وأقمار صناعية لمتابعة تحركات الميليشيات والجماعات المسلحة.
2. الدعم اللوجستي لقوات محلية: استمرار تزويد الحلفاء المحليين بالأسلحة والتدريب والخدمات الاستخباراتية.
3. العقوبات الاقتصادية والسياسية: الضغط على النظام السوري وإيران عبر العقوبات لضمان عدم استغلال الفراغ الأمريكي.
4. الردع البحري والجوي: نشر قوات بحرية وجوية في المنطقة للرد على أي تهديد محتمل، خاصة من إيران أو الجماعات المرتبطة بها.
الأبعاد الاستراتيجية
يُنظر إلى الانسحاب الأمريكي من سوريا كخطوة استراتيجية متوازنة تهدف إلى:
• تقليل الخسائر البشرية والمادية للقوات الأمريكية.
• إعادة تركيز الموارد على تحديات أكبر، مثل التهديد الإيراني والأنشطة الروسية في المنطقة.
• الحفاظ على القدرة على الردع الفعّال دون الحاجة إلى وجود بري دائم.
• تعزيز قدرة الحلفاء المحليين على تحمل مسؤولياتهم الأمنية، مع إبقاء واشنطن شريكًا رئيسيًا في أي جهود مستقبلية ضد الإرهاب.
نظرة مستقبلية
من المتوقع أن تستمر الولايات المتحدة في متابعة التطورات في سوريا عن كثب، مع التركيز على مناطق النفط والممرات الاستراتيجية، لضمان حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية. كما أن إدارة ترامب تسعى إلى تقديم نموذج جديد لوجود أمريكي أكثر مرونة واستدامة في الشرق الأوسط، قائم على الردع الذكي والتحالفات المؤثرة، بدلًا من التواجد البري المكثف الذي كان سمة المرحلة السابقة.










