تل أبيب، المنشر الاخباري| 18 فبراير 2026، في سياق التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران، الذي بلغ ذروته بتصديق نتنياهو على خطط هجومية في فبراير 2026، يبرز دور النبوءات الدينية كعامل نفسي وسياسي يغذي الصراع.
“نبوءة حزقيال” في سفر حزقيال 38-39، التي تتحدث عن هجوم “فارس” (إيران) مع “جوج من أرض ماجوج” على إسرائيل، تفسر اليوم كدليل على “حرب نهاية الزمان”، بينما يردد المرشد الإيراني علي خامنئي “زوال إسرائيل بحلول 2026” كتنبؤ شيعي.
صادق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 16 فبراير 2026 على خطط عسكرية مفصلة تستهدف إيران، في خطوة تعكس انتقال إسرائيل من مرحلة التحذير إلى الاستعداد التنفيذي.
وبحسب تقارير إعلامية عبرية، جاء القرار في أعقاب تقديرات أمنية إسرائيلية تشير إلى تعثر المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، واحتمال فشله بالكامل خلال الأسابيع المقبلة، ما يعيد إلى الواجهة سيناريو المواجهة المباشرة بعد “حرب الـ12 يوما” في يونيو 2025، التي اعتبرت أخطر مواجهة غير مباشرة بين الطرفين حتى الآن.
التصديق على الخطط تم خلال اجتماع أمني مصغر (الكابينت)، حيث عرضت قيادة الجيش وسلاح الجو والاستخبارات تقديرات محدثة حول التقدم الإيراني في البرنامج النووي وإعادة بناء القدرات الصاروخية.
ووفق التسريبات، فإن حالة التأهب في سلاح الجو الإسرائيلي بلغت “الذروة”، مع تكثيف تدريبات هجومية بعيدة المدى وتنسيق لوجستي مع وزارة الدفاع الأمريكية.
خلفية التصعيد: النووي الإيراني مجددا في الواجهة
يعود جوهر الأزمة إلى البرنامج النووي الإيراني، الذي تتهمه إسرائيل بتخصيب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 90%، وهي نسبة تقترب من العتبة اللازمة لصنع سلاح نووي. ورغم الضربات السابقة التي استهدفت منشآت رئيسية مثل منشأة نطنز النووية ومنشأة فوردو النووية، تؤكد التقديرات الإسرائيلية أن طهران نجحت في إعادة تأهيل أجزاء واسعة من بنيتها التحتية النووية خلال أشهر قليلة.
في اجتماع الكابينت، قال نتنياهو إن “إيران تعيد بناء قدراتها الصاروخية والنووية بسرعة، وهذا تهديد وجودي لدولة إسرائيل”. وأضاف أن الوقت المتاح أمام العمل الوقائي “يضيق”.
بالتوازي، كثف الجيش الإسرائيلي ضرباته الاستباقية ضد مواقع تابعة لـحزب الله في جنوب لبنان وسوريا، تحسبا لاحتمال انخراط الحزب في أي مواجهة واسعة إذا تعرضت إيران لضربة مباشرة.
تنسيق مع واشنطن… ولكن بحذر
مصادر سياسية في تل أبيب كشفت أن نتنياهو بحث الملف الإيراني عدة مرات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض في يناير 2025. وتشير التقارير إلى أن الجانبين ناقشا سيناريو هجوم مشترك خلال عام 2026، مستندين إلى ما وصفاه بـ“النجاح الجزئي” لحرب 2025، التي أبطأت – دون أن توقف – تقدم إيران النووي.
غير أن الإدارة الأمريكية تبدو أكثر حذرا. فترامب، رغم لهجته المتشددة، يفضل – بحسب مقربين – منح المسار الدبلوماسي فرصة أخيرة، عبر وساطات إقليمية تشمل عمان وقطر.
في السياق ذاته، صرح السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام بأن “أفضل نتيجة ممكنة هي استبدال النظام الإيراني بقيادة جديدة”، في إشارة إلى المرشد الأعلى علي خامنئي، معربا عن تشككه في جدوى أي اتفاق لا يتضمن تغييرا جوهريا في سلوك طهران.
تفاصيل الخطط العسكرية المصادق عليها
وفقا للتقارير، تشمل الخطط المصادق عليها ضربات جوية دقيقة تنفذها مقاتلات شبح من طراز F-35 ضد ما بين 20 إلى 30 هدفا استراتيجيا داخل إيران، أبرزها منشآت نووية وهي نطنز، فوردو، ومفاعل محطة بوشهر النووية، وقواعد صواريخ باليستية في غرب إيران، ومراكز قيادة وسيطرة تابعة لـالحرس الثوري الإيراني.
كما تتضمن الخطط هجمات سيبرانية مرافقة لتعطيل أنظمة الدفاع الجوي وشبكات الاتصالات العسكرية، إلى جانب تنسيق استخباراتي مع البنتاغون لتوفير دعم لوجستي وإعادة التزود بالوقود جوا.
نتنياهو وضع أربعة شروط لأي اتفاق محتمل مع طهران تفكيك كامل للبنية التحتية النووية العسكرية، ونقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران، ووقف دعم ما يعرف بـ“محور المقاومة”، وإنهاء أي قيود على التفوق العسكري الإسرائيلي، بما يضمن “الاستقلال الدفاعي الكامل”.
ورغم أن ترامب لم يمنح ضوءا أخضر نهائيا، فإن نتنياهو ألمح إلى أن إسرائيل “لن تنتظر إلى الأبد”.
البعد الديني والسياسي: التفسيرات التوراتية
في خلفية الخطاب السياسي، تبرز تفسيرات دينية لدى بعض التيارات الصهيونية الدينية والإنجيلية الأمريكية، حيث يستحضر في إسرائيل سفر حزقيال، خاصة الإصحاحين 38 و39، حيث ترد نبوءة “جوج وماجوج” وتحالف “فارس” ضد إسرائيل. وفي إيران، يكرر المرشد الأعلى علي خامنئي توقعه بزوال إسرائيل، وهو خطاب يرتبط في الوعي الشيعي بسرديات آخر الزمان وظهور المهدي. وبين الطرفين، تقف المنطقة على حافة صراع قد يتجاوز الحسابات الاستراتيجية التقليدية.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل هذه النصوص مجرد تفسيرات لاهوتية قديمة، أم أنها تتحول في لحظة التوتر القصوى إلى أدوات تعبئة تفتح أبواب حرب قد تكون نووية؟
كتبت نبوءة حزقيال بين عامي 593 و571 قبل الميلاد، خلال فترة السبي البابلي. في الإصحاحين 38 و39، يتحدث النبي عن “جوج أرض ماجوج”، الذي يأتي من أقاصي الشمال مع حلفاء من بينهم “فارس وكوش وبوط”، ليهاجم أرض إسرائيل. وتنتهي الرواية بهزيمة ساحقة لهذا التحالف بتدخل إلهي عبر زلازل ونار ووباء.
تاريخيا، فسر علماء اليهودية والمسيحية هذه النبوءة رمزيا باعتبارها تصويرا لصراع كوني بين الخير والشر، أو إشارة إلى تهديدات تاريخية واجهها اليهود بعد السبي. غير أن التحولات السياسية في القرن العشرين، خصوصا قيام دولة إسرائيل عام 1948، أعادت إحياء القراءة الحرفية للنص لدى تيارات دينية صهيونية رأت في “عودة اليهود” تمهيدا لمرحلة النبوءات الأخيرة.
مع صعود التوتر مع إيران، أصبح ذكر “فارس” في النص يقرأ بوصفه إشارة مباشرة إلى الجمهورية الإسلامية، خاصة في أوساط الصهيونية الدينية وبعض الدوائر الإنجيلية الأمريكية.
في الولايات المتحدة، يشكل المسيحيون الإنجيليون كتلة انتخابية ضخمة تقدر بنحو 80 مليون شخص. داخل هذه الكتلة، يعتنق تيار “الألفيين” قراءة حرفية لنبوءات العهد القديم وسفر الرؤيا، ويرى أن تجمع اليهود في إسرائيل وصراعهم مع تحالف تقوده إيران وروسيا هو تمهيد لعودة المسيح وحكمه الألفي.
بعض المنابر الإنجيلية، مثل مجلة Christian Tribune، تناولت في عام 2025 الحرب المحدودة بين إسرائيل وإيران بوصفها “مقدمة محتملة لنبوءة حزقيال”. كما صرح السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل مايك هاكابي في أكثر من مناسبة بأن دعم إسرائيل ليس مجرد خيار سياسي بل “واجب روحي”.
لا يقتصر الاستدعاء الديني على حزقيال. يستشهد أحيانا بسفر إرميا (الإصحاح 49) حول “عيلام” – التي يربطها بعض المفسرين بجنوب غرب إيران – وبنصوص من أشعياء تتحدث عن سقوط “بابل”. وفي المقابل، تستحضر بعض الأحاديث الإسلامية مفهوم “الملحمة الكبرى” وصراع آخر الزمان.
مع أن معظم علماء الدين من الجانبين يرفضون هذه القراءات السياسية للنصوص، فإنها تجد صدى قويا في أوقات الأزمات، حيث يبحث الجمهور عن معنى يتجاوز الحسابات التقنية.
هذا المناخ ينعكس على السياسة الأمريكية، خاصة مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025 بدعم قوي من القاعدة الإنجيلية. ورغم أن قرارات الحرب تتخذ وفق اعتبارات استراتيجية، فإن الخطاب الديني يمنحها شرعية عاطفية وأخلاقية لدى جمهور واسع.
نتنياهو نفسه لا يعرف كرجل دين، لكنه يوظف الرمزية التوراتية بمهارة سياسية. قبل الضربات الإسرائيلية عام 2025، استشهد بعبارات من سفر العدد حول “الأسد الصاعد”، وحرص على إضفاء بعد تاريخي-وجودي على المواجهة مع إيران.
في 2026، ومع تصديقه الخطط الهجومية الجديدة، قدم الصراع بوصفه معركة على “بقاء إسرائيل”. هذه اللغة، وإن كانت تستند إلى تقديرات استخباراتية بشأن البرنامج النووي الإيراني، تتقاطع مع خطاب ديني يرى في إيران تجسيدا معاصرا لـ“فارس” التوراتية.
داخل الكنيست، يشكل النواب المنتمون إلى أحزاب دينية وقومية نسبة مؤثرة، وبعضهم يتبنى قراءة حرفية لنبوءة حزقيال. بالنسبة لهؤلاء، التراجع أمام إيران لا يعد فشلا سياسيا فحسب، بل إخلالا بمسار تاريخي إلهي.
الجانب الإيراني: نبوءة معكوسة
في طهران، لا يستخدم سفر حزقيال كمرجعية، بل يعاد تأطير إسرائيل نفسها ككيان طارئ إلى زوال. خامنئي كان قد صرح عام 2015 بأن “النظام الصهيوني لن يبقى 25 عاما”، وهو تصريح فسره البعض على أنه يشير إلى عام 2040. لكن في خطابات لاحقة، شدد على أن “سرعة الزوال تزداد”.
في عامي 2025 و2026، تكررت تصريحات من مسؤولين إيرانيين تربط المواجهة الحالية بقرب “انهيار إسرائيل”. هذا الخطاب يرتبط في المخيال الشيعي بسرديات ظهور المهدي المنتظر، الذي يهزم قوى الظلم في نهاية الزمان.
هكذا، يتحول الصراع من نزاع جيوسياسي إلى “حرب عقائدية” في الخطاب المتبادل: كل طرف يرى في الآخر تجسيدا لرمز شرير في نصوصه المقدسة.
هل تشعل النبوءات الحرب؟
من الناحية التحليلية، يبقى البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية والتوازنات الإقليمية هي العوامل الأساسية للصراع. القرارات العسكرية تبنى على معلومات استخباراتية، لا على نصوص دينية.
لكن النبوءات تلعب دورا نفسيا وسياسيا مهما:
تعزيز الاستعداد للمخاطرة: حين يصور الصراع كجزء من خطة إلهية، يصبح تحمل التكاليف – حتى النووية – أقل ردعا نفسيا.
تعبئة القواعد الشعبية: الخطاب الديني يحشد الدعم ويصعب التراجع السياسي.
تقليص هامش التسوية: أي تنازل قد يصور كخيانة دينية، لا مجرد تسوية سياسية.
مع ذلك، لا يمكن اختزال الأزمة في بعدها العقائدي. فإسرائيل تتحرك مدفوعة بتقديراتها الأمنية حول اقتراب إيران من “العتبة النووية”، بينما ترى طهران في برنامجها عنصر ردع في مواجهة خصومها.
السيناريوهات المحتملة
في فبراير 2026، ومع تصديق الخطط الهجومية، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق: إما ضربة محدودة تعيد رسم قواعد الاشتباك، أو تصعيد شامل يجر قوى إقليمية ودولية إلى مواجهة مفتوحة أو يفرض ترامب اتفاقا مؤقتا يؤجل المواجهة.
اقتصاديا، يحذر خبراء من أن أي حرب واسعة قد تدفع أسعار النفط إلى 150 دولارا للبرميل، مع تداعيات إنسانية خطيرة في لبنان وغزة، وتأثيرات غير مباشرة على اليمن والسودان.
النبوءات ليست سببا مباشرا للحرب، لكنها تضفي على الصراع طابعا قدريا يسرع اندفاعه. حين يعتقد طرفان أن التاريخ – أو السماء – يقف إلى جانبهما، يصبح التراجع أكثر صعوبة.
وهكذا، في ظل تداخل النص المقدس مع القرار العسكري، يبقى السؤال مفتوحا: هل يمكن للعقل السياسي أن يتغلب على سرديات نهاية الزمان، أم أن المنطقة مقبلة على فصل جديد تكتب عناوينه بلغة الأسلحة… وتبرر سطوره بلغة النبوءات؟










