موسم انتخابي مبكر يكشف تصدّع التحالفات التقليدية ويحوّل سباق الكونجرس إلى معركة مفتوحة على هوية أمريكا السياسية
واشنطن- المنشر الإخباري
تدخل الولايات المتحدة خريفًا سياسيًا استثنائيًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، في مناخ يتسم بحدة الاستقطاب، وتآكل المساحات الرمادية، وتزايد الأسئلة حول هوية الحزبين الكبيرين قبل أن تكون المعركة مجرد صراع على مقاعد في مجلسي النواب والشيوخ. الانتخابات التمهيدية التي انطلقت في ولايات عدة لم تعد مجرد آلية تنظيمية داخلية، بل تحولت إلى استفتاء مبكر على توجهات المرحلة المقبلة، وعلى شكل الخطاب السياسي الذي سيقود واشنطن في النصف الثاني من العقد.
في قلب هذا المشهد يقف الرئيس دونالد ترامب، سواء بوصفه فاعلًا مباشرًا في المعادلة الجمهورية أو باعتباره نقطة استقطاب تعيد تعريف الاصطفافات داخل الحزب وخارجه. وبينما يحاول الديمقراطيون التقاط لحظة الانقسام لدى خصومهم، يواجهون هم أيضًا تحديًا داخليًا لا يقل تعقيدًا يتعلق بحدود خطابهم، وقدرتهم على الجمع بين القاعدة التقدمية والناخب الوسطي.
الانتخابات التمهيدية: مرآة التحولات العميقة
صعود مرشحين خارج المؤسسة
في عدد من الولايات، أظهرت النتائج الأولية للانتخابات التمهيدية مشاركة مرتفعة نسبيًا مقارنة بدورات سابقة، وبرزت أسماء جديدة تتحدى قيادات تقليدية داخل الحزبين. هذه الظاهرة ليست تفصيلًا عابرًا، بل مؤشر على مزاج انتخابي متململ من النخبة السياسية، وراغب في إعادة ضخ دماء جديدة في الكونجرس.
داخل الحزب الجمهوري، تتقدم شخصيات تتبنى خطابًا أكثر تشددًا في ملفات الهجرة والأمن والإنفاق الفيدرالي، فيما يحاول جناح محافظ تقليدي التمسك بخطاب اقتصادي أكثر براغماتية. أما داخل الحزب الديمقراطي، فيدور الجدل حول حدود الأجندة التقدمية، ومدى قدرتها على الفوز خارج الدوائر الحضرية ذات الميول الليبرالية.
الاقتصاد والهجرة… العنوان الأكبر
القضايا الاقتصادية، من التضخم إلى تكلفة السكن والرعاية الصحية، تتصدر اهتمامات الناخبين. ومع أن الأجندة الاجتماعية ما تزال حاضرة بقوة، فإن المزاج العام يميل إلى من يقدم حلولًا ملموسة لا شعارات كبرى. هذا التحول يدفع المرشحين في كلا الحزبين إلى إعادة صياغة رسائلهم لتكون أكثر اتصالًا بالواقع المعيشي، وأقل انغماسًا في الاستقطاب الثقافي.
الجمهوريون بين الولاء لترامب وإعادة تعريف الذات
اختبار النفوذ في السباقات المحلية
في ولايات مثل تكساس وأريزونا وأوهايو، تحولت الانتخابات التمهيدية الجمهورية إلى ساحة اختبار لنفوذ ترامب داخل الحزب. هل لا يزال تأييده كافيًا لحسم السباقات؟ أم أن القاعدة بدأت تبحث عن وجوه جديدة تحافظ على روح الشعبوية دون أن تكرر صداماتها؟
الانقسام لا يدور فقط حول الأشخاص، بل حول استراتيجية الحزب في المرحلة المقبلة: هل يستمر في خطاب المواجهة الحادة مع الديمقراطيين والإعلام والمؤسسات الفيدرالية، أم يتبنى مقاربة أكثر هدوءًا تركز على الاقتصاد والضرائب وتقليص دور الحكومة؟
مقعد مين… معركة رمزية على الاعتدال
إعلان السيناتور الجمهورية سوزان كولينز ترشحها لولاية جديدة في مجلس الشيوخ أعاد تسليط الضوء على التوتر بين التيار المعتدل والجناح الشعبوي داخل الحزب. كولينز، المعروفة بمواقفها الوسطية أحيانًا، واجهت انتقادات من داخل الحزب، لا سيما في قضايا السياسة الخارجية والموازنة.
هذا السباق لا يُقرأ فقط كمعركة محلية، بل كمؤشر على قدرة الحزب الجمهوري على الاحتفاظ بأصوات مستقلة في ولايات متأرجحة. خسارة مقاعد من هذا النوع قد تعني تقليص هامش المناورة في مجلس الشيوخ، حتى لو احتفظ الحزب بقاعدته الصلبة.
الديمقراطيون: فرصة ذهبية أم فخ التناقضات؟
استثمار الانقسام الجمهوري
يحاول الحزب الديمقراطي تقديم نفسه كبديل مستقر في مواجهة ما يصفه بـ”التشظي الجمهوري”. الخطاب يركز على حماية المؤسسات الديمقراطية، وضبط الإيقاع الاقتصادي، والدفاع عن الحقوق المدنية. غير أن هذا الطرح يصطدم أحيانًا بتباينات داخلية بين التقدميين والوسطيين.
معضلة الخطاب المزدوج
التيار التقدمي يدفع باتجاه إصلاحات جذرية تشمل إعادة توزيع أوسع للثروة، وتوسيع برامج الرعاية الاجتماعية، وتشديد الرقابة على الشركات الكبرى. في المقابل، يرى جناح وسطي أن مثل هذه الأجندات قد تثير مخاوف الناخبين المستقلين في الضواحي والولايات المتأرجحة.
المعادلة أمام الديمقراطيين دقيقة: الحفاظ على حماس القاعدة الشابة دون خسارة الكتلة التي تحسم النتائج في الدوائر الرمادية.
إلغاء اجتماع حكام الولايات: الاستقطاب يتجاوز الكونجرس
قرار إلغاء الاجتماع السنوي لحكام الولايات بعد دعوة الجمهوريين فقط شكّل لحظة رمزية عميقة في سياق الاستقطاب. مقاطعة حكام ديمقراطيين للحدث عكست أزمة ثقة متزايدة بين البيت الأبيض وبعض الولايات.
هذا التطور يكشف أن الانقسام لم يعد حبيس الحملات الانتخابية، بل أصبح جزءًا من بنية العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والسلطات المحلية. ومع اقتراب الانتخابات، قد تتحول هذه التوترات إلى أوراق ضغط انتخابية في ولايات حساسة.
منظمات حقوق الإنسان… صوت إضافي في المعركة
خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت انتقادات منظمات حقوق الإنسان لسياسات الإدارة في ملفات الهجرة والحريات المدنية. هذه الانتقادات تحولت إلى مادة في الحملات الانتخابية، حيث يسعى كل طرف لتصوير نفسه حاميًا للقيم الدستورية.
في المقابل، يرد الجمهوريون بأن بعض هذه الانتقادات مسيّسة، وأن الأولوية يجب أن تكون لأمن الحدود واستقرار الاقتصاد. هذا السجال يعكس صراعًا أوسع حول تعريف العدالة والحرية في السياق الأمريكي المعاصر.
الكونجرس بين الشلل وضغط الاستحقاق
مع تصاعد الاستقطاب، أصبح تمرير تشريعات كبرى أكثر تعقيدًا. قضايا الميزانية، الإنفاق الدفاعي، والبرامج الاجتماعية تخضع لمساومات شاقة. ويخشى بعض المراقبين أن يؤدي استمرار الجمود إلى تآكل ثقة الناخبين في قدرة الكونجرس على أداء دوره.
القيادات الحزبية تدرك أن أي إخفاق تشريعي كبير قبل نوفمبر 2026 قد يتحول إلى عبء انتخابي. لذلك، تتكثف محاولات تمرير حزم محدودة يمكن تسويقها كإنجازات، حتى لو لم تعالج جذور الأزمات.
الناخب المستقل
في معظم الولايات المتأرجحة، يشكل الناخبون المستقلون الكتلة المرجحة. هؤلاء يميلون إلى تقييم الأداء الاقتصادي أكثر من الاصطفافات الأيديولوجية. لذلك، يركز الحزبان على خطاب موجه لهذه الفئة، مع تجنب الانغماس الكامل في معارك الهوية.
تاريخيًا، كانت انتخابات التجديد النصفي تميل إلى معاقبة الحزب الحاكم إذا ساد شعور بعدم الرضا الاقتصادي. السؤال المطروح اليوم: هل يستطيع الجمهوريون الحفاظ على زخمهم؟ أم ينجح الديمقراطيون في قلب المعادلة عبر استثمار الانقسامات؟
السيناريوهات المحتملة حتى خريف 2026
أغلبية جمهورية مع انقسام داخلي
قد يحتفظ الجمهوريون بأغلبية مريحة في مجلس النواب، لكن مع تكتلات داخلية تجعل إدارة الأجندة التشريعية معقدة.
تقدم ديمقراطي في الشيوخ
في حال نجاح الديمقراطيين في حصد مقاعد متأرجحة، قد يتغير ميزان القوى في مجلس الشيوخ، ما يفرض معادلة جديدة على البيت الأبيض.
خريطة منقسمة
يبقى احتمال استمرار الانقسام بين المجلسين قائمًا، ما يعني مزيدًا من الشلل التشريعي حتى الانتخابات الرئاسية التالية.
إعادة رسم الخريطة لا تعني نهاية الصراع
خريف 2026 لن يكون مجرد محطة انتخابية عادية، بل لحظة مفصلية في إعادة رسم خريطة الكونجرس، وربما في إعادة تعريف هوية الحزبين نفسيهما. الانقسامات التي ظهرت في الانتخابات التمهيدية تكشف أن المعركة الحقيقية تدور داخل كل حزب بقدر ما تدور بينهما.
الولايات المتحدة تقف أمام اختبار مزدوج: هل تستطيع مؤسساتها امتصاص حدة الاستقطاب وإنتاج توازن جديد؟ أم أن دورة الاستقطاب ستتعمق، لتجعل من كل استحقاق انتخابي ساحة صراع وجودي؟
الإجابة ستتبلور تدريجيًا مع تقدم الموسم الانتخابي، لكن المؤكد أن خريف أمريكا القادم سيكون ساخنًا… ليس فقط في صناديق الاقتراع، بل في تعريف مستقبل السياسة الأمريكية ذاتها.










