جولة المفاوضات الأمريكية والوساطة في جنيف تنتهي بلا تقدم سياسي.. وتركز على المسائل العسكرية ومراقبة أي وقف لإطلاق النار محتمل
جنيف، 18 فبراير 2026 — المنشر الإخبارى
انتهت الجولة الثالثة من المحادثات المباشرة بين وفدي روسيا وأوكرانيا في جنيف، التي توسطت فيها الولايات المتحدة، دون تحقيق اختراق سياسي يُذكر، وسط تأكيد الطرفين أن المحادثات كانت “صعبة” وبدت الفجوة بين المواقف السياسية عميقة للغاية.
جاء ذلك في وقت يستعد فيه الصراع بين موسكو وكييف لاقتراب الذكرى الرابعة للحرب، فيما لا تزال الجبهات العسكرية مشتعلة، والضغوط الدولية للتوصل إلى حل دبلوماسي متعثرة بفعل خلافات استراتيجية لا تبدو قابلة للحل في المدى المنظور.
محادثات جنيف: توقعات منخفضة وانتظارات واقعية
عُقدت هذه الجولة من المفاوضات في جنيف بسويسرا، وهي الثالثة منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022. كانت الجولات السابقة قد انعقدت في أبوظبي في وقت سابق من هذا العام، ووصفتها الأطراف الرسمية بأنها “بناءة” لكنها لم تسفر عن أي تقدم حقيقي في القضايا الجوهرية.
قبل انطلاق جولة جنيف، انخفضت التوقعات بتحقيق تقدم سياسي ملحوظ بسبب الانقسامات العميقة حول قضايا السيادة الوطنية، السيطرة على الأراضي، والمطالب الأساسية لكل من الطرفين.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في تصريحات عقب انتهاء الجولة: “المفاوضات لم تكن سهلة”، مشيرًا إلى أن روسيا تحاول “إطالة أمد المفاوضات” بينما تستمر عمليًا في الضغط العسكري على الأراضي الأوكرانية.
في المقابل، وصف فلاديمير ميدينسكي، رئيس الوفد الروسي في المفاوضات، الجلسات بأنها كانت “صعبة لكن مهنية”.
وأكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، أن الحديث عن نتائج نهائية لا يزال “مبكرًا”، وأن موسكو وواشنطن تتخذان نهجًا تدريجيًا في التعامل مع ملف السلام، دون الكشف عن تفاصيل جوهرية.
أبعاد التقدم العسكري مقابل الجمود السياسي
على المستوى العسكري، وصف زيلينسكي المحادثات بأنها “بناءة” في النقاش حول كيفية مراقبة أي وقف محتمل لإطلاق النار في المستقبل، وقال إن “المراقبة ستتم بالتأكيد بمشاركة الجانب الأمريكي”، مشيرًا إلى استمرار دور واشنطن في أي آلية مراقبة مستقبلية.
وقال المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف عبر وسائل التواصل الاجتماعي إن جهود الولايات المتحدة “أدت إلى تقدم ذي مغزى” في هذا الجانب، لكنه لم يوضح تفاصيل محددة.
ورغم هذه المؤشرات المحدودة بشأن وقف النار، لا يزال الخط الأمامي ممتدًا على طول نحو 1250 كيلومترًا، مع استمرار القتال بمعارك محلية، وعمليات قصف روسية على المدنيين.
وأفادت القوات الأوكرانية بأن هجمات بطائرات مسيرة روسية أدت إلى مقتل امرأة وإصابة طفلة تبلغ ست سنوات ورضيع في مدينة زابوروجيا الجنوبية ليلة الثلاثاء، في مثال واضح على استمرار المعاناة الإنسانية في الحرب.
كما أطلقت روسيا صاروخًا باليستيًا و126 طائرة مسيرة بعيدة المدى خلال الليل على عدة مواقع أوكرانية، ما يعكس أن العمليات العسكرية لا تزال مصحوبة بتصعيد مستمر على الأرض.
الخلافات الجوهرية السياسية تبقى عائقًا رئيسيًا
تتمحور الخلافات بين الجانبين حول عدة نقاط استراتيجية أساسية:
المطالب الروسية
منذ الغزو في 24 فبراير 2022، ظل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يكرر أهدافه الاستراتيجية التي أعلنها عند بدء العملية العسكرية، وتشمل:
• منع انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو.
• خفض حجم الجيش الأوكراني بشكل كبير.
• حماية اللغة والثقافة الروسية، وادعاء أن ذلك يضمن بقاء أوكرانيا ضمن “المدار الروسي”.
• سحب القوات الأوكرانية من الأقاليم الشرقية الأربع التي تحتلها موسكو جزئيًا، وهي دونيتسك، لوهانسك، خيرسون وزابوروجيا.
موقف أوكرانيا
يؤكد زيلينسكي أن بلاده لن تتنازل عن أراضيها، وأن أي تسوية سياسية يجب أن تُبنى على احترام سيادتها الوطنية. وقد عرض هدنة واجتماعًا مباشرًا مع بوتين، لكنه أصر على أن تحقيق السلام لا يمكن أن يكون على حساب التنازل عن الأراضي.
هذه الخلافات الأساسية تعكس عدم تقارب في الأهداف الاستراتيجية لكل من الطرفين، مما يجعل احتمالات اتفاق شامل تبدو ضئيلة في الوقت الراهن، خاصة في ظل استمرار الحرب وإصرار كل طرف على شروطه.
الضغط العسكري والإنساني في ظل استمرار القتال
على الرغم من المفاوضات، يشهد الخط الأمامي اشتباكات متواصلة. وتشير التقارير الأخيرة إلى استمرار الضربات الجوية الروسية، بما في ذلك استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة لاستهداف المدن الأوكرانية الرئيسية، ما أسفر عن وقوع خسائر في صفوف المدنيين.
تثير هذه التطورات أسئلة حول جدوى الجهود الدبلوماسية في ظل استمرار العنف، وضرورة التوصل إلى آليات لحماية المدنيين في مناطق الصراع.
دور الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في المفاوضات
أشاد زيلينسكي بدور الولايات المتحدة، مؤكدًا أن الجانبين الأوكراني والأمريكي التقيا في جنيف أيضًا مع ممثلين عن دول مثل:
• المملكة المتحدة
• فرنسا
• ألمانيا
• إيطاليا
• سويسرا
وقال إن “مشاركة أوروبا في العملية أمر لا غنى عنه”، مشددًا على أن الدول الأوروبية ترى أمنها مرتبطًا بشكل مباشر بمستقبل النزاع في أوكرانيا.
وقد ظهر هذا الدور الأوروبي بشكل واضح في دعم كييف سياسيًا وعسكريًا منذ بداية الحرب، وتقديم ضمانات أمنية في سياقات متعددة، وهو ما يجعل أوروبا عنصرًا أساسيًا في أي عملية سلام مستقبلية.
الأسس الدبلوماسية لصراع طويل الأمد
تجسد جولة جنيف الثالثة استمرارًا للجهود الأمريكية الرامية لتخفيف حدة الحرب عبر آليات تفاوض، بعد جولات سابقة في أبوظبي وصفتها الولايات المتحدة بأنها “بناءة”. لكن الجمود السياسي المستمر يشير إلى أن المسار لا يزال معقدًا وملفوفًا بطبقات من الاستقطاب العميق.
تحاول واشنطن الحفاظ على دور الوسيط الفاعل، مستفيدة من روابطها التاريخية مع كييف، ودورها في دعم الدفاعات الأوكرانية وتوفير الضمانات الأمنية، في حين تسعى روسيا إلى تكريس مكاسبها الإقليمية وعدم التخلي عن أهدافها الاستراتيجية.
تشير التحليلات إلى أن أي تقدم سياسي يتطلب توافقًا حول قضايا السيادة والسيطرة على الحدود، وهو ما لا يزال بعيدًا في ظل تباينات المواقف الأساسية لكل من الطرفين.
الآثار المحتملة على الأمن الأوروبي والدولي
لا يقتصر تأثير النزاع على أوكرانيا وحدها، بل يمتد ليشمل الأمن الأوروبي بأسره. وتشير التجارب السابقة إلى أن أي توتر عسكري طويل الأمد على حدود القارة يمكن أن يؤدي إلى:
• إعادة ترتيب التحالفات العسكرية داخل أوروبا.
• زيادة الاعتماد على القدرة الذاتية للدفاع لدى دول الاتحاد الأوروبي.
• دفع بعض الدول إلى reconsider إعادة النظر في سياساتها الدفاعية على المدى الطويل.
سيناريوهات المستقبل المحتملة
مع استمرار الجمود السياسي، يمكن تصور عدة مسارات محتملة:
- استمرار الحرب والتفاوض المتعثر
قد يتواصل القتال على الأرض مع استمرار المفاوضات بمعدلات بطيئة دون تقدم كبير، ما يعني إبقاء الوضع في حالة توتر طويل الأمد.
- هدنة مؤقتة مع مراقبة دولية
قد يتم التوصل إلى اتفاق أولي لوقف إطلاق النار، مع مشاركة مراقبين دوليين (بما في ذلك الولايات المتحدة)، لكن تبقى القضايا السياسية الأساسية غير محلولة.
- تصعيد شامل أو تطورات خارجية
في حال فشل المسار الدبلوماسي، قد يؤدي ذلك إلى تصعيد عسكري أوسع، أو تدخلات خارجية جديدة تؤدي إلى تقلبات في المسرح الأمني الأوروبي.
خلاصة: الطريق إلى السلام لا يزال طويلاً
رغم جهود الوساطة الأمريكية والدعم الأوروبي لأوكرانيا، تظل الخلافات الجوهرية بين روسيا وأوكرانيا عائقًا رئيسيًا أمام تحقيق اختراق سياسي. المناقشات العسكرية قد أحرزت بعض التقدم، لكن الأهداف الاستراتيجية لكل طرف ما تزال متضاربة، مما يجعل احتمالات السلام العادل والنهائي بعيدة في الوقت الراهن.
مع استمرار النزاع وتصاعد الضغوط الإنسانية، يبقى الصراع في أوكرانيا اختبارًا رئيسيًا لقدرة المجتمع الدولي على التوفيق بين الحلول الدبلوماسية ومتطلبات الأمن والاستقرار في أوروبا والعالم.










