الرياض تريد عرش دبي التجاري.. هل ينجح بن سلمان في خنق نفوذ الإمارات؟
التنافس السعودي–الإماراتي دخل في 2025–2026 مرحلة «صراع نفوذ» واضح بين مشروعين يقودهما محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، لكن الحديث عن «إنهاء حكم» أحدهما للآخر يتجاوز الوقائع نحو لغة التمنيات؛ فالعلاقة ما زالت مزيجًا من شراكة اضطرارية وتنافس بنيوي على الزعامة الإقليمية.
من تحالف ما بعد 2011 إلى تصدعات 2025–2026تشكل المحور السعودي–الإماراتي بعد 2011 على قاعدة مخاوف مشتركة من الربيع العربي، وصعود الإسلاميين، والتمدد الإيراني، وبدت العلاقة الشخصية بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد أحد أعمدة هذا التحالف.
لكن منذ 2021 بدأت الرياض تسلك مسارًا مختلفًا؛ فانفتحت على إيران وتركيا وقطر، وبدأت تبني سياسة خارجية أكثر استقلالًا عن أبوظبي، بالتوازي مع إطلاق «رؤية 2030» كمشروع لإعادة تموضع المملكة اقتصاديًا وسياسيًا.
مع الوقت تحوّل «التباين الهادئ» إلى خلافات علنية في ملفات اليمن وأوبك بلس والاقتصاد والاستثمارات، ما كشف عن تنافس هيكلي على من يقود الخليج والشرق الأوسط، لا مجرد اختلاف تكتيكي في التفاصيل
تقارير بحثية خليجية تصف المرحلة الحالية بأنها انتقال من «شراكة استراتيجية» إلى «تنافس مُدار» على النفوذ، تحاول فيه كل دولة الحفاظ على صورة التحالف مع توسيع هامش حركتها الخاصة.
ساحات الصدام: اليمن، النفط، والاقتصاد العالمي
في اليمن برز التوتر بشكل فجّ؛ إذ دعمت الإمارات تشكيلات مسلحة ومجالس سياسية منفصلة عن ترتيبات الرياض، وتركز نفوذها في الموانئ والجزر وملف النفط، مقابل محاولة سعودية لاستعادة التحكم بالقرار اليمني الرسمي والممرات الحيوية.
بلغ التصعيد ذروة جديدة مع اتهامات متبادلة حول تقويض كل طرف لمصالح الآخر في حضرموت والمهرة والساحل الجنوبي، ما جعل الساحة اليمنية مرآة لصراع نفوذ لا يمكن إخفاؤه خلف خطاب «التحالف».
في ملف النفط وأوبك بلس اشتبكت الرياض وأبوظبي مرارًا حول مستويات الإنتاج؛ فالسعودية ضغطت لتمديد خفض الإنتاج حفاظًا على الأسعار ودعمًا لرؤية 2030، بينما طالبت الإمارات برفع خط الأساس لإنتاجها، ورفضت ما وصفته بحصتها «غير العادلة».
اقتصاديًا، دفعت السعودية الشركات العالمية لنقل مقارها الإقليمية من دبي وأبوظبي إلى الرياض، في محاولة صريحة لسحب بساط «مركز الأعمال الأول في المنطقة» من تحت الإمارات، وهو ما اعتبرته أبوظبي تحديًا مباشرًا لنموذجها الاقتصادي.
حدود القوة: لماذا «إنهاء» نفوذ أبوظبي غير واقعي؟
رغم صعود الدور السعودي، يبقى الحديث عن «إجهاض» نفوذ محمد بن زايد مبالغًا فيه؛ فالإمارات راكمت خلال عقدين شبكة نفوذ ممتدة عبر الموانئ والمناطق الحرة واستثمارات ضخمة وتحالفات عميقة مع قوى دولية، ما جعلها لاعبًا صعب الإزاحة في أسواق المال والطاقة والنقل البحري.
تحليل لمراكز بحث إقليمية يشير إلى أن الرياض وأبوظبي تخوضان صراع نفوذ متعدد الأبعاد، لكنهما ما زالتا بحاجة متبادلة اقتصاديًا وأمنيًا، سواء في مواجهة إيران أو في إدارة ملفات البحر الأحمر واليمن والقرن الأفريقي.
محمد بن سلمان يسعى لأن تحل الرياض محل دبي كعاصمة الأعمال والاستثمار في المنطقة، وأن تستعيد المملكة موقع «الدولة المركز» في العالمين العربي والإسلامي، إلا أن هذا المشروع يتطلب سنوات من إعادة الهيكلة الاقتصادية الداخلية، ولا يمكن حسمه بقرارات سياسية سريعة ضد الإمارات.
في المقابل، يعتمد جزء من قوة الإمارات على تقديم نفسها شريكًا «هادئًا» ومرنًا للقوى الكبرى، ما يمنحها مجال مناورة أوسع في مناطق مثل شرق أفريقيا والبحر العربي وشرق المتوسط، حتى مع تضخم الدور السعودي.
سيناريوهات المستقبل: إدارة تنافس أم انفجار محور؟تحليلات حديثة تتوقع استمرار التنافس السعودي–الإماراتي على شكل «حرب باردة خليجية»؛ تصعيد في ملفات محددة، ثم تهدئة تحت ضغط الحاجة المتبادلة، دون قطيعة كاملة أو تحالف صدامي مباشر
الاحتمال الأرجح هو إدارة الصراع عبر وساطات عربية، خاصة مصر وقطر وعُمان، للحفاظ على حد أدنى من التنسيق الأمني في الخليج واليمن، مع ترك مساحة لكل طرف لتوسيع نفوذه الاقتصادي والسياسي بشكل منفصل.
أما سيناريو أن «يقضي» محمد بن سلمان على حكم محمد بن زايد أو يمنع تمامًا تمدد الإمارات إقليميًا، فيصطدم بواقع توازنات القوة الداخلية في كل دولة، وبالارتباط العميق لكليهما بشبكات مصالح دولية معقدة، تجعل إسقاط أحد المشروعين على يد الآخر تكلفة لا تحتملها المنطقة ولا الشركاء الدوليون.
الأقرب إلى الواقع أن نشهد خريطة شرق أوسطية يتقاطع فيها مشروع سعودي يسعى لقيادة مركزية جديدة من الرياض، مع مشروع إماراتي يركز على نفوذ شبكي مرن من أبوظبي ودبي، في حالة تنافس مستمر قد تُدار بهدوء أو تنفجر موضعيًا لكن دون «غلبة مطلقة» لهذا على حساب ذاك.










