من بروتوكول إلى بركان غضب: لماذا انفجر العراقيون بعد مشهد الوفد أمام المسؤولين السعوديين؟
فيديو وقوف وفد عراقي رسمي في مقر إقامة السفيرة العراقية بالرياض أمام مسؤولين سعوديين جالسين أشعل موجة غضب عارمة في الشارع العراقي، تحوّلت سريعًا إلى قضية سياسية وبرلمانية، وسط اتهامات بـ«إهانة هيبة الدولة» ودفاع رسمي عن أن ما جرى كان لقاءً اجتماعياً لا يحمل دلالات بروتوكولية مهينة.
ما الذي حدث في الرياض؟الأزمة بدأت مع انتشار مقطع فيديو قصير يظهر السفيرة العراقية لدى السعودية صفية السهيل وهي تقف إلى جوار عدد من أعضاء وفد عراقي عسكري ورسمي، في حين يجلس أمامهم مسؤولون سعوديون داخل مقر إقامة السفيرة في الرياض
المشهد، الذي التُقط على هامش مشاركة الوفد في «معرض الدفاع السعودي 2026»، أظهر الوفد العراقي مصطفًا في وضعية الوقوف أثناء التعارف، بينما بقي الجانب السعودي جالسًا، ما فُسّر في عيون كثير من العراقيين على أنه مشهد «مخزٍ» يخلّ بمبدأ الندية بين الدولتين.
رواد مواقع التواصل أعادوا نشر الفيديو على نطاق واسع، وأرفقوه بتعليقات غاضبة تتهم السفيرة والوفد بقبول «وضع مهين»، معتبرين أن من يمثل الدولة يجب أن يحافظ على صورة الكرامة والاحترام المتبادل، وألا يقبل مشهدًا يوحي بأن الوفد العراقي في مرتبة أدنى من ضيوفه.
في المقابل، رأى بعض المعلقين أن المشهد ربما جرى في سياق بروتوكولي أو تنظيمي معين، وأن الحكم عليه من ثوانٍ مقتطعة قد يكون متسرعًا، إلا أن موجة الغضب الشعبية كانت أوسع وأعلى صوتًا
غضب في الشارع وتحرك في البرلمان
تفاعل الشارع العراقي دفع المؤسسات الرسمية إلى التحرك؛ إذ وجّه رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي طلبًا رسميًا إلى وزارة الخارجية لاستدعاء السفيرة صفية السهيل إلى بغداد خلال 48 ساعة، وتشكيل لجنة تحقيق برلمانية في الواقعة.
بيان البرلمان أشار بوضوح إلى أن الفيديو المتداول يُظهر «وضعية اعتُبرت مهينة بروتوكوليًّا» للوفد العراقي، وأن ما جرى قد يمس بهيبة الدولة وصورة مؤسساتها أمام الرأي العام في الداخل والخارج.
نواب وسياسيون استثمروا القضية لشن هجوم على أداء وزارة الخارجية والسلك الدبلوماسي، مطالبين بإقالة السفيرة أو محاسبتها إذا ثبت وجود تقصير أو تجاوز للأعراف المتعارف عليها في اللقاءات الرسمية.
في الوقت نفسه، تحوّل الجدل إلى نقاش أوسع حول طريقة تعامل بعض البعثات الدبلوماسية مع الوفود العراقية، وضرورة وضع ضوابط صارمة تحافظ على كرامة الممثلين الرسميين، خاصة في دول الجوار.
رد السفارة العراقية: «المشهد مقتطع من سياقه»السفارة العراقية في الرياض أصدرت بيانًا حاولت من خلاله احتواء الأزمة، موضحة أن ما جرى لم يكن اجتماعًا رسميًا ببروتوكول كامل، بل «دعوة اجتماعية» أقامتها السفيرة والوفد العراقي في مقر الإقامة بمناسبة معرض الدفاع السعودي 2026.
البيان أكد أن الجانب العراقي كان «الجهة الداعية والمضيفة»، وأن الشخصيات السعودية حضرت تلبيةً لدعوة السفارة، وأن ترتيب الجلوس والوقوف تم وفق الأعراف الدبلوماسية المتبعة في مثل هذه المناسبات الاجتماعية التعارفية.
السفارة شددت على أن المقطع المتداول «مقتطع من سياقه»، وأنه يوثّق لحظة انتقال الوفد العراقي داخل القاعة استعدادًا للتوجه إلى مائدة العشاء، وليس مشهدًا كاملاً لمراسم استقبال رسمية تُدار وفق قواعد البروتوكول الصارمة.
بيان السفارة حاول كذلك التأكيد على أن اللقاء جرى في أجواء «ودية وأخوية»، وأن العلاقات بين العراق والسعودية تشهد تعاونًا متزايدًا في الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، بما لا يبرر تضخيم حادثة بروتوكولية إلى مستوى «أزمة دبلوماسية» كاملة.
بين الرمز والواقع: لماذا اشتعل الغضب في العراق؟حجم التفاعل مع الفيديو يعكس حساسية الرأي العام العراقي تجاه أي ما يُ perceived على أنه مساس بالكرامة الوطنية، خاصة في ظل تاريخ معقد من التدخلات الإقليمية والتوترات مع دول الجوار، ومنها السعودية.
تعليقات كثيرة ربطت بين المشهد وبين شعور متجذر بأن الطبقة السياسية والدبلوماسية لا تدافع بما يكفي عن هيبة العراق، ما جعل من الفيديو رمزًا لحالة أعمق من الغضب تجاه الأداء الرسمي لا مجرد حادث بروتوكولي عابر.
في المقابل، يرى محللون أن تضخيم الواقعة قد يخدم أيضًا أجندات سياسية داخلية، خصوصًا في ظل استقطاب حاد بين قوى ترى في التقارب مع السعودية خطوة إيجابية، وأخرى تنظر إليه بريبة وتبحث عن أي ذريعة لعرقلته أو التشكيك فيه.
ويبقى التحقيق البرلماني المعلن اختبارًا لمدى جدية المؤسسات في وضع معايير واضحة لسلوك الممثلين الرسميين، من دون تحويل كل خطأ بروتوكولي محتمل إلى معركة سياسية تشغل الشارع عن أزمات أكثر إلحاحًا داخل العراق.










