تواصل الحلقة الثانية من مسلسل «حكاية نرجس» تصعيد الجرعة النفسية والإنسانية التي بدأها العمل في افتتاحيته، لتغوص أعمق في عالم بطلتها المكسورة نرجس، وتجعل المشاهد شريكًا في صراعها الداخلي بين حلم الأمومة وحدود الخطر الأخلاقي والقانوني الذي تقترب منه خطوة بعد أخرى.
المسلسل ينتمي لفئة دراما الـ15 حلقة المكثفة، ويُعرض ضمن موسم رمضان 2026، في إطار اجتماعي نفسي يستند إلى واقعة حقيقية عن سيدة أقدمت على خطف طفل بسبب عدم قدرتها على الإنجاب، كما ألمحت برامج وحوارات ترويجية للعمل.
تصاعد أزمة نرجس بين الماضي والحاضر
تركز الحلقة الثانية على تعميق الجرح القديم في حياة نرجس، تلك المرأة التي يهجرها زوجها ويقرر الارتباط بأخرى بدافع حلم الأبوة، فقط لأنها لم تستطع الإنجاب، ما يدفعها إلى مواجهة قاسية مع مجتمع لا يرحم النساء في مثل هذه المواقف.
تسترجع نرجس في مشاهد مؤثرة تفاصيل الانفصال، ونظرات الإدانة من المحيطين، وتعليقات جارحة تختزل قيمتها في قدرتها على الإنجاب، ما يجعل إحساسها بالنقص يتحول تدريجيًا إلى هوس بفكرة أن تصبح أمًا بأي ثمن.
الحلقة الثانية تستخدم هذه الخلفية لتفسير حدة توتر نرجس في حاضر الأحداث، حيث تبدو غير قادرة على تجاوز الماضي، وكل موقف بسيط مع الأطفال أو الأمهات في الشارع يتحول إلى مرآة تعكس حرمانها العميق.
هذا التراكم النفسي يمهد للمنعطف الأخطر في الحلقات، والمُلمّح إليه بقوة في المواد الترويجية، والمتعلق بفكرة خطف طفل لتعويض الحرمان، وهو خط درامي ينبني بهدوء في هذه الحلقة عبر نظرات وتلميحات أكثر من تصريحات مباشرة.
علاقتها بالطفل وبمن حولهاتُبرز الحلقة الثانية ملامح علاقة نرجس بالطفل الذي يدخل حياتها تدريجيًا، سواء كان ابن شقيقتها أو طفلًا آخر يرتبط بها في سياق الأحداث، كما توضح بعض المواقع المهتمة بالمسلسل.
تتحول هذه العلاقة إلى مساحة تعويض نفسي، حيث تجد فيه نرجس ما حُرمت منه، في الوقت الذي يبدأ هو في الاعتماد عليها عاطفيًا، ما يخلق رابطًا إنسانيًا حقيقيًا لكنه في الوقت ذاته يزيد من خطورة قراراتها المقبلة.
في المقابل، تظهر دائرة العائلة المحيطة بنرجس بقوة أكبر، من خلال والديها اللذين يجسدهما مجدي السباعي وسماح أنور، وحماتها التي تلعب دورها عارفة عبد الرسول، في تجسيد مجتمع صغير محمّل بالأحكام والضغوط والتوقعات من المرأة ودورها كأم.
تضيف هذه الشخصيات طبقات جديدة من الصراع، بين من يضغط عليها للزواج مرة أخرى، ومن يلمّح إلى أن المشكلة فيها، ومن يطالبها بالاستسلام للواقع، ما يدفعها أكثر نحو حافة خيارات غير مأمونة العواقب.
نرجس بين الضحية والمذنبة
أهم ما تكرسه الحلقة الثانية هو حالة التأرجح الأخلاقي التي تعيشها نرجس؛ فهي في نظر نفسها ضحية ظلم اجتماعي وزوج أناني ومجتمع لا يرى فيها سوى «امرأة لا تنجب»، لكنها في الوقت نفسه تقف على أعتاب أفعال قد تجعل منها جانية بحق طفل بريء
الحوار الداخلي الذي تكشفه اللقطات القريبة ونوبات الانفعال يضع المشاهد أمام سؤال صعب: إلى أي مدى يمكن التعاطف مع ضحية حين تقرر أن تعالج ألمها بجريمة؟
هذه المعالجة تمنح المسلسل نَفَسًا مختلفًا عن الأعمال الاجتماعية التقليدية، إذ لا يكتفي بعرض الظلم الواقع على البطلة، بل يفتح نقاشًا حول مسؤوليتها عن خياراتها الذاتية، وحول الخط الفاصل بين التعاطف والتبرير.
الحلقة الثانية تحديدًا تبدو بمثابة تمهيد أخلاقي ونفسي للقرارات المتطرفة التي قد تتخذها نرجس في الحلقات التالية، من خلال إظهارها محاصرة من كل الاتجاهات، لكن مع إبقاء مساحة لوعيها بأن ما تفكر فيه ليس صحيحًا.
أداء ريهام عبد الغفور وطاقم العمل
تمنح الحلقة مساحة واسعة لريهام عبد الغفور لتقديم أداء يعتمد على التفاصيل الدقيقة، من لغة الجسد إلى الانفعالات غير الصاخبة، ما يتماشى مع طبيعة شخصية تعيش ألمها في الداخل أكثر مما تصرخ به في العلن.
تبدو نرجس في هذه الحلقة متأرجحة بين لحظات إنكار تحاول فيها إقناع نفسها بأنها بخير، وبين لحظات انهيار صامت تظهر فجأة مع كلمة عابرة أو موقف بسيط يذكّرها بما فقدته.
إلى جانب ريهام، يواصل حمزة العيلي تثبيت حضوره كشريك أساسي في المسار الدرامي، من خلال شخصية على صلة وثيقة بنرجس في علاقة معقدة نفسيًا واجتماعيًا، تضيف بعدًا جديدًا لصراعها الداخلي.
كما يرسخ باقي الأبطال حضورهم، ومنهم سماح أنور، عارفة عبد الرسول، أحمد عزمي، ودنيا ماهر، في رسم عالم اجتماعي واقعي يجعل قصة نرجس جزءًا من صورة أوسع لنساء يعشن تجارب مشابهة في مجتمع قاسٍ.
طبيعة العمل ومواعيد عرضه«حكاية نرجس» عمل من 15 حلقة فقط، ما يعني أن كل حلقة تحمل قدرًا أعلى من التكثيف الدرامي دون إطالة، وهو ما بدا واضحًا في الحلقة الثانية التي تقدمت بخطوات سريعة في بناء الأزمة النفسية للشخصية الرئيسية.
يُعرض المسلسل ضمن حزمة مسلسلات النصف الثاني من رمضان 2026، على عدد من القنوات والمنصات التي لم تُعلن كلها بالتفصيل بعد، مع الإشارة إلى أنه من إنتاج جهات ضمن منظومة دراما رمضان الرئيسية في مصر.
هذا الإطار الزمني المقتضب يضع صناع العمل أمام تحدي الحفاظ على الإيقاع المشدود، وهو ما تخدمه حلقة ثانية تعتمد على تصعيد مدروس دون حشو.
الحلقة الثانية… اقتراب من الخط الأحمرفي المحصلة، تعمل الحلقة الثانية من «حكاية نرجس» كحلقة مفصلية في تحويل القصة من مجرد حكاية امرأة مكسورة إلى «تحذير درامي» من الكيفية التي قد يدفع بها القهر الاجتماعي ضحاياه إلى حافة الجريمة.
فمع كل مشهد يظهر فيه ألم نرجس، تقترب أكثر من الخط الأحمر المتعلق بحياة طفل بريء، ما يجعل المشاهد ممزقًا بين تعاطفه معها وخوفه من أن تتحول إلى نسخة أخرى من الجلاد الذي أساء إليها.
بهذا البناء، تترك الحلقة الثانية أسئلة معلقة حول القرار الذي ستتخذه نرجس، وحدود مسؤولية من حولها عن دفعها إلى هذا المنعطف، لتعد الجمهور بحلقات قادمة أكثر صدامًا وجرأة في طرح قضية حساسة نادرًا ما طُرحت بهذا العمق في الدراما العربية.










