الأزمة الحكومية تتفاقم: المجلس الانتقالي يرفض التعيينات ويهدد بالتصعيد
عدن – المنشر الإخباري
احتجاجات شعبية على تمثيل وزراء شماليين في الحكومة الجديدة تشعل العاصمة اليمنية المؤقتة وتزيد من حدة الاحتقان السياسي
شهدت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، مساء الخميس، موجة من التوتر والاحتجاجات الشعبية، بعد تجمع المئات من أبناء المحافظات الجنوبية أمام قصر معاشيق الرئاسي بمديرية صيرة، احتجاجاً على ضم وزراء من شمال البلاد في التشكيلة الحكومية الجديدة. وأطلقت القوات الأمنية التابعة للحكومة النار بكثافة، في محاولة لتفريق المتظاهرين، ما أسفر عن سقوط عدد من الإصابات، بحسب مصادر محلية لمراسل “إرم نيوز”.
تأتي هذه الاحتجاجات في سياق تصاعد الاستياء الشعبي في الجنوب اليمني، الذي يرى أن التعيينات الأخيرة تمثل تجاهلاً لمطالب المجتمع الجنوبي وخرقاً للاتفاقيات السابقة التي كانت تسعى لتحقيق التوازن بين شمال وجنوب البلاد في التمثيل الحكومي.
مطالب الجنوب ورفض التعيينات الشمالية
وأكدت الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي في عدن أن الفعاليات الاحتجاجية، التي شملت وقفتين صباحية ومسائية، جاءت للتعبير عن رفض الشارع الجنوبي لوجود وزراء شماليين في الحكومة الجديدة. وأشارت الهيئة إلى أن “هذه التعيينات تمثل تحدياً صريحاً لإرادة الشعب الجنوبي وتجاوزاً للمطالب السياسية المشروعة”، محذرة من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تصاعد الاحتقان الشعبي وتهديد الاستقرار الأمني في العاصمة المؤقتة والمحافظات الجنوبية.
وأضافت الهيئة أن “الوضع الحالي يشكل تهديداً مباشراً للشراكة السياسية بين شمال وجنوب اليمن، ويؤكد أن الحكومة الجديدة لم تأخذ في الاعتبار المطالب الأساسية للجنوب”، في إشارة إلى الإحلال الذي شهدته بعض المناصب الوزارية بمسؤولين من خارج السياق الجنوبي.
تصعيد أمني ومواجهات مع القوات الحكومية
أفادت مصادر محلية بأن وحدات الأمن استخدمت أسلحة متوسطة وخفيفة، وأطلقت النار بكثافة في الهواء لتفريق المحتجين، وسط مشاهد من الفوضى والذعر، مع تأكيد سقوط أربع إصابات على الأقل نتيجة المواجهات المباشرة. وأوضحت المصادر أن المحتجين كانوا متجمهرين أمام المدخل الشرقي لقصر معاشيق، حيث حاولت القوات الأمنية السيطرة على الوضع لمنع امتداد الاحتجاجات إلى مناطق أخرى في المدينة.
وقد أظهرت مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي المشاهد العنيفة للاحتجاجات، حيث كان المحتجون يهتفون ضد التعيينات الجديدة ويطالبون بتمثيل الجنوب في الحكومة بما يتوافق مع إرادة سكان المحافظات الجنوبية.
السياق السياسي وأبعاد الأزمة
تأتي الاحتجاجات الحالية في وقت يشهد الجنوب اليمني حالة من الاستياء المتزايد بسبب تكرار ما يعتبره السكان تجاهلاً لمطالبهم السياسية والاجتماعية. ويؤكد مراقبون سياسيون أن هذه الاحتجاجات ليست مجرد رد فعل عفوي، بل هي مؤشر على عمق الأزمة بين السلطة المركزية في صنعاء والحراك السياسي الجنوبي، الذي يطالب بحقوقه في المشاركة الفعلية بالقرار السياسي وإدارة مؤسسات الدولة.
وقال أحد المحللين السياسيين في عدن إن “الوضع الحالي يعكس فشلاً في إدارة الشراكة السياسية بين شمال وجنوب اليمن، وأن تجاهل مطالب الجنوب سيؤدي إلى مزيد من التوترات على الأرض، وربما يؤدي إلى مواجهات أشد حدة مستقبلاً”.
وأشار إلى أن الحكومة الجديدة لم تقدم خطة واضحة لدمج الجنوب في التشكيلة الوزارية، ما يعكس نقصاً في المرونة السياسية والقدرة على التعامل مع الاحتقان الشعبي، خصوصاً في ظل تزايد المطالب الشعبية بتمثيل الجنوب بشكل عادل في الوزارات والمؤسسات الحكومية.
ردود فعل المجلس الانتقالي الجنوبي
وصفت فروع المجلس الانتقالي في المحافظات الجنوبية التعيينات الحكومية الأخيرة بأنها “إجراءات أحادية قضت بإحلال شخصيات من خارج السياق الجنوبي محل ممثلي المجلس، في نقض صارخ لأسس الشراكة ومضامين الإعلان الدستوري”. وحذرت الفروع من أن استمرار تجاهل مطالب الجنوب قد يؤدي إلى تصاعد الاحتقان الشعبي وتحويل العاصمة المؤقتة عدن إلى ساحة صراع مستمرة، تهدد الاستقرار الأمني والاجتماعي في المنطقة.
وأضافت الفروع أن هذه الخطوة تشكل “تهديداً مباشراً للوحدة الوطنية في البلاد، وأن أي تقاعس من الحكومة في معالجة هذه الأزمة سيؤدي إلى زيادة الشرخ السياسي بين الشمال والجنوب”.
تحليل الموقف العسكري والأمني
من الناحية العسكرية، يرى خبراء محليون أن تصعيد الاحتجاجات أمام قصر معاشيق يمثل تحدياً كبيراً للقوات الأمنية، التي تواجه صعوبة في احتواء الحشود الغاضبة، خصوصاً في ضوء تكرار الاحتجاجات التي شهدتها عدن خلال الفترة الماضية. وقال محلل أمني إن “القوات الحكومية مضطرة للرد بشكل مباشر لتأمين القصر الرئاسي، لكن استخدام الرصاص يزيد من حدة التوتر ويعقد المشهد الأمني أكثر”.
وأشار إلى أن “التعامل مع الاحتجاجات في عدن يحتاج إلى استراتيجية شاملة تشمل الحوار السياسي مع المجلس الانتقالي والمجتمع المحلي، وليس الاعتماد فقط على القوة الأمنية، لتجنب اندلاع مواجهات أشد دموية”.
انعكاسات الأزمة على الاستقرار الإقليمي
وتشير التحليلات إلى أن الأزمة في عدن ليست مجرد مسألة داخلية، بل لها أبعاد إقليمية، خصوصاً مع تزايد الاهتمام الدولي بالجنوب اليمني كمنطقة استراتيجية مطلة على البحر العربي وخليج عدن، وهو ما يجعل أي اضطراب هناك ذا تأثير مباشر على حركة الملاحة والتجارة الإقليمية.
كما أن استمرار الاحتجاجات وتصاعدها قد يؤدي إلى تزايد الضغوط على الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي، وربما يدفع بعض الأطراف الإقليمية إلى التدخل السياسي لدعم استقرار الجنوب أو الضغط على الحكومة لتعديل تشكيلة وزرائها بما يرضي السكان المحليين.
دعوات للحوار وإدارة الأزمة
وحث محللون سياسيون على ضرورة فتح قنوات للحوار بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي، لتجنب التصعيد المستمر، ووضع آليات واضحة لتمثيل الجنوب في مؤسسات الدولة. وقال أحد الخبراء إن “تجاهل مطالب الجنوب قد يؤدي إلى تفاقم الاحتقان الشعبي ويزيد من احتمال تحول الاحتجاجات إلى صراع مسلح، ما يهدد استقرار عدن والمناطق الجنوبية الأخرى”.
وأكد أن “إدارة الأزمة الحالية تتطلب مرونة سياسية وحواراً مباشراً مع القيادات الجنوبية، لتجنب تحويل مطالب سياسية مشروعة إلى أزمة أمنية حادة، يمكن أن تؤثر على الأمن الداخلي ومستقبل العملية السياسية في اليمن”.
تظل العاصمة المؤقتة عدن في حالة توتر شديد، مع استمرار الاحتجاجات الشعبية على التشكيلة الحكومية الجديدة ورفضها لضم وزراء شماليين، وسط استخدام متزايد للقوة من قبل السلطات الأمنية. وتؤكد هذه الأحداث على هشاشة التوازن السياسي في الجنوب اليمني، وعلى الحاجة الماسة لإيجاد حلول سياسية توافقية تحمي حقوق السكان الجنوبيين وتضمن استقرار العاصمة المؤقتة، بعيداً عن العنف والاحتقان المستمر.









