مع حلول شهر رمضان من كل عام، تتحول شاشات التلفزيون ومنصات الفيديو إلى ساحة سباق موازية لسباق الدراما، عنوانها الأبرز الإعلانات التي يتنافس فيها كبار النجوم على حجز مكان بارز في وعي الجمهور وذاكرته البصرية والسمعية.
ولم تعد الحملات الرمضانية مجرد فواصل بين المسلسلات والبرامج، بل أصبحت «عرضًا» قائمًا بذاته، تنتظره الأسر كما تنتظر حلقات الأعمال الدرامية.
من الدراما إلى الإعلان… تبدل ساحة المنافسة
خلال السنوات الأخيرة، لم تعد الدراما وحدها حلبة المنافسة الأولى للنجوم في رمضان، إذ تصف تقارير فنية الموسم بأنه «بورصة لتحويل الممثلين والمطربين إلى موديلات إعلانية» في حملات ضخمة ترصد لها ميزانيات كبيرة وتُبنى على أسماء لامعة.
هذه الظاهرة تعززت مع اتجاه عدد من الفنانين إلى الاكتفاء بحضور إعلاني في الشهر الكريم، في ظل غيابهم عن السباق الدرامي لأسباب إنتاجية أو شخصية.
ففي مواسم قريبة، لجأ فنانون مصريون معروفون إلى الإعلانات كمنصة بديلة للوجود على الشاشة، من بينهم نجوم مخضرمون فضّلوا الظهور في حملات لشركات كبرى أو مؤسسات خيرية بدلاً من خوض مغامرة عمل درامي جديد.
هذا التحوّل أعاد رسم خريطة الحضور الفني في رمضان، بحيث بات اسم النجم يرتبط بعدد الإعلانات التي يشارك فيها، وليس بعدد الأعمال التي يتصدر بطولتها فقط.
نجوم في واجهة الحملات… وأرقام لافتة في الحضور
تؤكد متابعة المواسم الرمضانية الأخيرة أن الشركات باتت تراهن على قوة تأثير الفنان في حملاتها، سواء كان مطربًا يحضر بأغنية دعائية جديدة، أو ممثلًا يستثمر رصيده الجماهيري في قصة إعلان قصيرة.
في مواسم قريبة، تصدر بعض المطربين المشهد بظهور مكثف؛ إذ شارك فنانون في عدد كبير من الإعلانات داخل موسم واحد، مع توظيف أغانيهم في أكثر من حملة تجارية مختلفة.
في المقابل، شهدت مواسم سابقة عودة أسماء غابت عن الأضواء لفترات طويلة، من خلال إعلان رمضاني واحد أعاد تقديمهم إلى الجمهور، أو جمع ثنائيات شهيرة سبق أن التقت في أعمال سينمائية ودرامية ناجحة، لكن هذه المرة في إطار دعائي لشركات عقارية أو اتصالات أو أغذية.
هذه النوعية من الحملات تستثمر النوستالجيا والعلاقات الفنية القديمة لإثارة الحنين، وربط المنتج بقصص النجاح التي عرفها الجمهور مع هؤلاء النجوم.
سيطرة الشركات الكبرى… والعقار لاعب أساسي
على مستوى هوية المعلنين، تشير تقارير اقتصادية وإعلامية إلى أن شركات الاتصالات والبنوك والأغذية ما زالت في صدارة السباق، بينما صعدت خلال الموسمين الأخيرين قوة لافتة لشركات التطوير العقاري التي كثفت حضورها في رمضان.
بعض التحليلات ترصد أن كثافة الإعلانات العقارية تعكس رهان هذه الشركات على الشهر كفرصة لبناء صورة ذهنية قوية لدى الأسر، في ظل منافسة حادة على سوق الإسكان والمشروعات الجديدة.
في هذا الإطار، يُستعان بنجوم الصف الأول من ممثلين وممثلات، وأحيانًا بمطربين لتقديم أغنية خاصة للمشروع السكني، مع تصوير الإعلانات بطرق سينمائية تستخدم مواقع التصوير الفاخرة والمؤثرات البصرية والعمل الجماعي لخلق حالة من الإبهار.
هذا الأسلوب يحول الإعلان إلى «فيديو كليب» قصير يحقق نسب مشاهدة مرتفعة على التلفزيون والمنصات الرقمية على السواء.
حضور إنساني وخيري موازٍإلى جانب الطابع التجاري البحت، تبقى الإعلانات الخيرية أحد أركان المشهد الرمضاني، حيث تستعين مؤسسات إنسانية بممثلين مخضرمين ووجوه جماهيرية قريبة من القلوب لتعريف الجمهور بحملاتها وجمع التبرعات
في مواسم ماضية، ظهرت وجوه معروفة في إعلانات لمستشفيات أو مؤسسات أهلية، ركزت على قصص أمل وتعافٍ، مستخدمة لغة عاطفية وصورًا واقعية لجذب تفاعل المشاهدين.
هذا المزيج بين الإعلانات التجارية والخيرية يمنح النجوم مساحة لتقديم صورتين متوازيتين: صورة الفنان المرتبط بعلامة تجارية كبرى، وصورته كوجه داعم لحملة إنسانية، وهو ما يعزز حضوره الرمضاني في وجدان الجمهور على أكثر من مستوى.
أبناء النجوم في الإعلانات… رهان على العائلة
ملمح آخر بات واضحًا في السنوات الأخيرة هو إدخال أبناء الفنانين إلى الحملات الإعلانية، خصوصًا تلك التي تستهدف الأسرة، بما يضفي على الإعلان جوًا من الدفء والمرح.
تقارير إعلامية حديثة أشارت إلى أن موسمًا رمضانيًا قريبًا شهد ظهورًا لافتًا لأبناء عدد من النجوم، شاركوا آباءهم في مشاهد الإعلان أو ظهروا في لقطات خاصة، ما خلق حالة من التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي
هذا الاتجاه لا يخدم فقط صورة المنتج، بل يعزز أيضًا من تسويق النجم نفسه كـ«أب أو أم» قريب من جمهوره، ويضيف بعدًا شخصيًا إلى الحملة، يجعلها قابلة للمشاركة والانتشار وإعادة التداول في الفضاء الرقمي.
بين الإبداع والتشبع… أين يقف الجمهور؟
رغم حالة الترقب التي ترافق الكشف عن الإعلانات الجديدة في أول أيام رمضان، يثير هذا الزخم أسئلة متكررة حول حدود استغلال صورة الفنان، وإمكانية تحوله إلى مجرد «موديل» يستهلك حضوره الإعلاني على حساب مسيرته الفنية.
بعض النقاد حذّروا من الإفراط في ظهور النجم في أكثر من حملة خلال الموسم نفسه، خصوصًا حين يتكرر الخطاب البصري والغنائي، ما قد ينعكس سلبًا على تميّز صورته في وعي الجمهور.
في المقابل، يرى آخرون أن السوق الإعلانية باتت جزءًا أساسيًا من اقتصاد الصناعة الفنية، وأن الفنان الذي يدير مشاركته بذكاء، من خلال اختيار حملات متناسقة مع صورته وقيمه الفنية، يمكنه أن يحقق معادلة الربح التجاري والحفاظ على رصيده في آن واحد.
وهكذا يبقى رمضان، إلى إشعار آخر، موسمًا ذهبيًا للإعلانات يختبر فيه النجوم قوتهم الحقيقية خارج إطار الدراما، وتختبر فيه الشركات قدرتها على صناعة حملة تتحول إلى «حديث السهرة» في بيوت المشاهدين.










