العالم من مباحثات جنيف إلى ميادين الاستنزاف: خيارات أوكرانيا المتبقية
موسكو- المنشر الإخبارى
بعد تعثر المفاوضات، كيف تخطط كييف لإدارة صراع طويل مع موسكو؟
مع انتهاء الجولة الأخيرة من مفاوضات جنيف دون تحقيق أي اختراق حاسم في ملف الأراضي، تعود الأزمة الأوكرانية إلى نقطة البداية: التمسك بوحدة الأراضي وعدم القبول بأي تنازل ميداني أو سياسي قد يقوّض سيادة البلاد. الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كرر منذ بدء الحرب أن أي اتفاق لا يحترم الدستور والأرض الوطنية غير مقبول، وهو ما يعكس استراتيجية كييف الراسخة منذ عام 2022 وحتى الآن.
القوة الدفاعية والصناعية الأوكرانية
تمتلك أوكرانيا قاعدة صناعية دفاعية واسعة تشمل نحو 800 منتج من الأسلحة وأكثر من 300 ألف عامل، وهي قادرة على إنتاج نحو 96% من الطائرات المسيّرة المستخدمة في الجيش، مع إنتاج سنوي يتجاوز أربعة ملايين مسيّرة. إضافة إلى ذلك، أنتجت أوكرانيا قرابة 100 صاروخ كروز “R-360 Neptune” العام الماضي، ما يعكس قوة صناعتها الدفاعية وقدرتها على الاستمرار في إدارة حرب طويلة الأمد.
مسارات بديلة لإدارة الأزمة
يرى الدبلوماسي الأوكراني السابق فولوديمير شوماكوف أن رفض كييف أي تنازل إقليمي لا يعني انسداد الأفق، بل يفتح الباب أمام مسارات بديلة خارج طاولة المفاوضات التقليدية. وتعتمد الاستراتيجية على إدارة حرب استنزاف طويلة تهدف إلى إضعاف قدرة موسكو على فرض وقائع نهائية، مع استمرار الضغط العسكري عبر الضربات الدقيقة والطائرات المسيّرة، ما يزيد تكلفة الحرب على روسيا سياسيًا واقتصاديًا.
وأضاف شوماكوف أن البديل العسكري لا يقتصر على الدفاع الثابت، بل يشمل إعادة تموضع القوات، وتعزيز التحصينات، وتوسيع نطاق العمليات النوعية داخل العمق الروسي لإرباك خطوط الإمداد، ما يحافظ على توازن القوى على الأرض. كما شدد على أن أي انسحاب غير محصن سيؤدي إلى انهيار الجبهة، لذلك يرتبط التمسك بالأرض ببناء قدرات ردع تمنع موسكو من تحويل التفوق العددي إلى مكاسب استراتيجية ملموسة.
الرهان الاقتصادي والدبلوماسي
تسعى أوكرانيا لتعويض جزء من خسائرها عبر تعميق اندماجها مع الاقتصاد الأوروبي وجذب الاستثمارات المرتبطة بإعادة الإعمار، حتى قبل توقف الحرب، ما يخلق شبكة مصالح دولية تحول دون قبول أي تقسيم للأراضي. دبلوماسيًا، يمكن كييف تكثيف تحركاتها داخل المؤسسات الدولية لتكريس مبدأ عدم شرعية التغيير بالقوة، والحصول على التزامات أمنية ثنائية أو متعددة الأطراف، حتى في غياب اتفاق سلام شامل.
شوماكوف يرى أن “البديل الحقيقي لأوكرانيا هو تحويل الرفض إلى استراتيجية صمود شاملة تُبقي الحرب مكلفة لموسكو وتمنح كييف وقتًا لتعزيز موقعها، بدل تقديم تنازل قد لا يوقف القتال”.
معادلة معقدة بين الجيش والدعم الغربي
من جهته، أوضح المحلل السياسي د. نبيل رشوان أن رفض أوكرانيا التنازل الإقليمي يضعها أمام معادلة معقدة، حيث الخيار الأساسي هو الاستمرار في إدارة الصراع ضمن توازنات دقيقة بين القوة العسكرية والدعم الغربي.
وأشار رشوان إلى أن البديل العسكري يشمل الدفاع النشط طويل الأمد، القائم على إنهاك القوات الروسية عبر التكنولوجيا المتقدمة، خاصة أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة، مما يحول الجبهة إلى ساحة استنزاف مستمر. كما يمكن الاعتماد على استمرار تدفق المساعدات الأوروبية والأمريكية، إلى جانب إعادة هيكلة الاقتصاد ليتكيف مع متطلبات حرب مستمرة، مع التركيز على الصناعات الدفاعية والدعم الخارجي.
التحديات والضغوط المحتملة
رغم هذه الاستراتيجيات، يحذر المحللون من هشاشة الاقتصاد الأوكراني واعتماده الكبير على المنح والقروض، ما يجعل البدائل محفوفة بالمخاطر إذا تراجع الالتزام الغربي. كما أن الفشل في نزع السلاح أو التوصل إلى اتفاق سياسي قد يؤدي إلى تقسيم القطاع إلى مناطق متعارضة السيطرة، ما يعقّد احتمالات توحيد البلاد أو إنهاء الحرب سريعًا.
في الوقت نفسه، تسعى موسكو لفرض شروطها ميدانيًا قبل أي تسوية، ما يجعل رفض التنازل من كييف يضمن استمرار الصراع دون أفق زمني واضح. الخيار البديل للأوكرانيين ليس الحسم السريع، بل إدارة حرب طويلة بتكلفة مرتفعة للجميع، مع احتمال أن يتغير ميزان القوى على الأرض مستقبلاً بما يتيح فرصًا لتسوية سياسية متدرجة.
أوكرانيا تواجه خيارًا استراتيجيًا معقدًا بين الثبات على الأرض والبحث عن بدائل متعددة: حرب استنزاف طويلة، دعم اقتصادي غربي مستمر، واستثمار دبلوماسي متعدد الأطراف للحفاظ على وحدة أراضيها. في المقابل، تبقى موسكو مصممة على فرض شروطها، ما يجعل المشهد مستمرًا في حالة توتر دائم.










