شهادات فلسطينية تكشف التنكيل والممارسات العقابية التي يفرضها الاحتلال على العائدين عبر معبر رفح، وسط قيود مشددة وانتهاكات للقوانين الدولية
غزة – المنشر الإخباري
كشفت مصادر حقوقية وإعلامية أن السلطات الإسرائيلية فرضت قيودًا صارمة ومهينة على الفلسطينيين العائدين إلى قطاع غزة عبر معبر رفح، وسط أعداد هائلة من الراغبين في العودة رغم الدمار الكبير الذي حل بالقطاع. وأكدت الشهادات أن العائدين يواجهون إجراءات تحقيق طويلة، تفتيش جسدي مهين، تقييد حرية الحركة، وقيود على الأموال والمقتنيات الشخصية، بينما تُفرض عليهم قيود إضافية كشرط للعبور أو لتلقي العلاج في مصر.
وفي 16 فبراير 2026، عادت أعداد كبيرة من سكان قطاع غزة إلى ديارهم عبر معبر رفح، وسط تحديات كبيرة وقيود أمنية صارمة فرضتها السلطات الإسرائيلية. وتشير شهادات العائدين والتقارير الحقوقية إلى أن إجراءات التفتيش والتحقيق التي يخضعون لها غالبًا ما تتجاوز ما يمكن اعتباره ضرورة أمنية، لتصبح أشبه بـ سلسلة من القيود والإهانات.
وفق مصادر إسرائيلية وصحفية، فإن آلاف الفلسطينيين يسعون للعودة إلى منازلهم رغم الدمار الكبير الذي لحق بالبنية التحتية، لكن هذا الحق الأساسي يصطدم بسياسات إسرائيلية معقدة تهدف إلى تقييد حرية الحركة وضمان السيطرة على المعبر ومحيطه.
مسار العودة: ستة محطات في رحلة شاقة
تمر عملية العودة عبر سلسلة من المحطات تشمل الجهات الأمنية المصرية، السلطة الفلسطينية، ممثلي الاتحاد الأوروبي، ميليشيات محلية مدعومة من إسرائيل، الجيش الإسرائيلي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ويبلغ طول الرحلة حوالي 15 كيلومترًا من معبر رفح حتى مستشفى ناصر في خان يونس، وقد تستغرق ساعات طويلة تصل أحيانًا إلى أكثر من 24 ساعة.
وتشمل المحطات:
1. الجهات المصرية: فحص أولي وتوثيق هوية العائدين.
2. السلطة الفلسطينية: تدقيق إضافي والتحقق من سجلات الانتظار.
3. ممثلون عن الاتحاد الأوروبي: متابعة إجرائية لضمان التزام المعايير الدولية.
4. ميليشيات محلية مدعومة من إسرائيل (مثل “أبو شباب”): مرافقة ومراقبة مشددة، وإجبار العائدين على الخضوع للتفتيش والتحقيق.
5. الجيش الإسرائيلي: إجراء تحقيقات إضافية، فرض قيود على المقتنيات، وتقييد أعداد العائدين.
6. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: توثيق ومتابعة مرحلة العبور النهائية.
هذه المحطات، على الرغم من دورها المعلن في حماية الأمن، تتسم بالتعقيد والإطالة التي تزيد من معاناة المدنيين.
انتهاكات موثقة: التفتيش والإهانات
الاعتقالات الميدانية والإذلال
أفاد العائدون أنهم تعرضوا للاحتجاز المؤقت، وتقييد الأيدي، وتعصيب العيون في بعض الحالات، إلى جانب تهديدات لفظية وجسدية.
التفتيش الجسدي المذل
يتجاوز ما يقوم به الجنود الإسرائيليون من تفتيش الإجراءات المتعارف عليها في المعابر الدولية، حيث يضطر المدنيون إلى الوقوف لساعات طويلة في انتظار التفتيش، في ظروف ضغط نفسي وجسدي شديد.
قيود على الأموال والممتلكات
يُسمح لكل شخص بحمل ألفي شيكل فقط، ويحظر إدخال السجائر أو السوائل أو الأجهزة الإلكترونية، باستثناء هاتف محمول واحد، ما يقيد قدرات المدنيين على تلبية احتياجاتهم الأساسية بعد العودة.
العنف النفسي والترهيب
تشير الشهادات إلى استخدام التهديدات النفسية لردع الراغبين في العودة، وإيحاء بأن العودة ليست خيارًا مرحبًا به، وأن الخيار البديل هو التوجه إلى مصر لتلقي العلاج أو الإقامة.
الأبعاد القانونية والحقوقية
شددت منظمات حقوقية مثل مركز عدالة و جيشاه على أن هذه الإجراءات تنتهك القانون الدولي وحقوق الإنسان الأساسية، وتشمل:
• حق العودة المكفول بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
• اتفاقيات جنيف التي تحمي المدنيين في النزاعات المسلحة.
• اتفاقيات مناهضة التمييز العنصري وميثاق روما التي تحدد حقوق المدنيين وواجبات السلطات.
وترى هذه المنظمات أن الإجراءات المبالغ فيها تهدف إلى ردع المدنيين وإخضاعهم، وليس حماية الأمن كما تُعلن إسرائيل.
أعداد العائدين: تحديات أمام السيطرة الإسرائيلية
تشير بيانات قوة المراقبة الأوروبية إلى أن حوالي 284 شخصًا فقط عبروا المعبر حتى 15 فبراير 2026، نصفهم إلى مصر لتلقي العلاج، والنصف الآخر عاد إلى غزة.
وعلى الرغم من وجود قوائم انتظار تضم أكثر من 80 ألف فلسطيني، فإن إسرائيل لا تسمح بدخول معظمهم، وهو ما يعكس سياسات تهدف إلى التحكم في حركة السكان وفق معايير أمنية وسياسية ضيقة، بعيدًا عن الاعتبارات الإنسانية.
التنسيق بين الميليشيات والجيش الإسرائيلي
أظهرت التحقيقات أن بعض الميليشيات المحلية، المدعومة من إسرائيل، تقوم بمرافقة العائدين ومراقبتهم، بما يزيد من حدة الإهانة النفسية والجسدية.
نقاط التفتيش مثل نكاز رغافيم، تُفرض فيها إجراءات مشددة، ويُجبر العائدون على تسجيل بياناتهم عدة مرات، بالإضافة إلى انتظار طويل تحت إشراف ميليشيات محلية وجنود الجيش الإسرائيلي.

نظام الدخول والخروج: معادلة عددية صارمة
تفرض إسرائيل قيودًا مفادها أن عدد العائدين يجب أن يتوافق مع عدد الجرحى أو المرضى المغادرين لتلقي العلاج خارج القطاع، وهو ما يزيد من التعقيد والضغط على المدنيين.
كما تُمنع آلاف الفلسطينيين الذين غادروا القطاع قبل أحداث أكتوبر 2023 من العودة، حتى مع إدراجهم في قوائم انتظار رسمية، ما يعكس سياسة مقيدة وليست إنسانية.
الأثر الإنساني والنفسي
الشهادات تشير إلى تأثير نفسي كبير على العائدين، نتيجة الإهانات المستمرة والتحقيقات الطويلة، إلى جانب فقدان المنازل والبنية التحتية.
كما يخلق هذا الوضع إحباطًا جماعيًا بين سكان غزة، ويزيد من الشعور بالعجز أمام سياسة قسرية تفرضها إسرائيل على المدنيين الأبرياء.
حق العودة والكرامة الإنسانية
يظل حق العودة مكفولًا دوليًا، ولا يجوز انتزاعه تحت ذرائع أمنية أو عقابية.
ويؤكد التقرير أن سياسات التفتيش المبالغ فيها، قيود الأموال والممتلكات، والإهانات الجسدية والنفسية، تمثل انتهاكًا واضحًا للمعايير الدولية، وتضع المسؤولية على إسرائيل لضمان عودة آمنة وكريمة لسكان غزة.
ويظل الضغط الدولي والحقوقي، من خلال منظمات مثل مركز عدالة و الأمم المتحدة، ضرورة لضمان حقوق الفلسطينيين، ومحاسبة الجهات التي تنتهك حقوق الإنسان، وتسهيل عودة عادلة ومنصفة لجميع سكان القطاع.











