تراجع قياسي في نسب التأييد يضع البيت الأبيض تحت ضغط متصاعد مع اقتراب انتخابات التجديد النصفى
واشنطن – المنشر الإخباري
مع دخول النصف الأول من عام 2026، تكشف استطلاعات الرأي عن تحول لافت في المزاج السياسي الأمريكي، مع تراجع شعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى مستويات تقترب من أدنى ما سُجل في ولايته الثانية. الأرقام الصادرة عن مؤسسات قياس مستقلة لا تعكس مجرد انخفاض عابر، بل تشير إلى اتساع فجوة الثقة بين البيت الأبيض وقطاعات واسعة من الناخبين، في وقت تتشكل فيه مبكرًا ملامح معركة انتخابية محتدمة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
فالتراجع في نسب التأييد لا يُقرأ فقط كمؤشر على الرضا الشعبي، بل كعامل ضغط مباشر على حسابات الحزب الجمهوري، وعلى طبيعة القرارات السياسية خلال الأشهر المقبلة. وبينما تتزايد حدة الاستقطاب الداخلي، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يستطيع ترامب استعادة الزخم السياسي، أم أن منحنى التأييد الهابط سيفرض معادلة جديدة على المشهد الأمريكي ؟
اتجاه هبوطي تؤكده المؤسسات المختلفة
لم يأتِ التراجع في شعبية دونالد ترامب من مصدر واحد، بل تكرر عبر أكثر من مؤسسة قياس، ما يعزز دلالته السياسية. فقد أظهر استطلاع نشرته أسوشيتد برس أن نسبة التأييد بلغت 36% مقابل 62% عدم تأييد، وهو مستوى يعادل أدنى معدل تم تسجيله أواخر عام 2025.
كما بيّن استطلاع أجرته جامعة كوينيبياك أن التأييد لا يتجاوز 37% مقابل 56% معارضة، بفارق سلبي صافٍ يقترب من 20 نقطة. وفي الاتجاه ذاته، أظهرت نتائج شبكة إن بي سي نيوز اتساع فجوة الرفض، ما يؤكد أن المنحنى العام يسير في اتجاه هبوطي مستمر منذ مطلع العام.
تعدد المصادر وتكرار النتيجة يمنحان هذه المؤشرات وزنًا سياسيًا يتجاوز التذبذب الطبيعي الذي تشهده عادة استطلاعات منتصف الولاية.
الاقتصاد في قلب المعادلة
تاريخيًا، يرتبط تقييم الرؤساء الأمريكيين بالأداء الاقتصادي. ورغم استمرار بعض المؤشرات الإيجابية في سوق العمل، فإن القلق المرتبط بتكاليف المعيشة، ومستوى الأسعار، وأسعار الفائدة، يظل حاضرًا بقوة في وعي الناخبين.
تشير تحليلات إلى أن شريحة الناخبين المستقلين – التي تمثل بيضة القبان في أي استحقاق انتخابي – تبدو أقل حماسة للإدارة الحالية مقارنة ببداية الولاية. وفي بيئة سياسية مشبعة بالاستقطاب، فإن أي اهتزاز في دعم هذه الفئة ينعكس سريعًا في أرقام التأييد العامة.
الاستقطاب وتآكل الثقة المؤسسية
لا يمكن قراءة تراجع الشعبية بمعزل عن المناخ السياسي العام. فالولايات المتحدة تشهد حالة استقطاب حاد بين الحزبين، ما يجعل أي ملف – داخليًا كان أم خارجيًا – عرضة للتسييس الفوري.
انخفاض التأييد إلى ما دون 40% يضع الإدارة أمام تحدٍ مزدوج: فمن جهة، تحتاج إلى تمرير أجندتها التشريعية عبر كونغرس منقسم، ومن جهة أخرى تسعى إلى الحفاظ على صورة قيادة قوية في الداخل والخارج. وفي ظل هذه المعادلة، يصبح أي قرار كبير، خاصة في ملفات الأمن والدفاع، موضع تدقيق سياسي مضاعف.
السياسة الخارجية بين الحسابات الداخلية والرسائل الدولية
في لحظات التراجع الشعبي، يميل بعض الرؤساء تاريخيًا إلى التركيز على ملفات السياسة الخارجية لإعادة صياغة صورة القيادة. غير أن هذا الخيار محفوف بالمخاطر، خصوصًا في بيئة دولية معقدة ومتوترة.
فالتحركات الخارجية قد تُقرأ داخليًا كخطوة لإعادة تعبئة القاعدة الانتخابية، بينما قد تفسَّر خارجيًا باعتبارها تشددًا تكتيكيًا مرتبطًا بحسابات داخلية. وهذه الازدواجية تفرض على صانع القرار هامشًا دقيقًا للمناورة، لتجنب الانزلاق إلى تصعيد غير محسوب.
انتخابات التجديد النصفي: اختبار مبكر للقوة
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، تمثل هذه الأرقام مصدر قلق للحزب الجمهوري، خاصة في الدوائر المتأرجحة. فاستمرار الفجوة السلبية قد يضعف فرص بعض المرشحين، ويدفع الاستراتيجيين إلى إعادة ترتيب أولويات الحملة.
التركيز المتوقع قد ينصب على القضايا المعيشية والاقتصادية، باعتبارها الأكثر تأثيرًا في قرار الناخب، بدلًا من الملفات الأيديولوجية التي تعمّق الانقسام. كما قد يسعى الحزب إلى تعزيز حضوره في الولايات الحاسمة عبر خطاب أكثر توحيدًا يهدف إلى استعادة الناخبين المستقلين.
هل هو منحنى عابر أم تحول هيكلي؟
السؤال المحوري يتمثل في ما إذا كان هذا التراجع يمثل موجة مؤقتة مرتبطة بظروف اقتصادية وسياسية مرحلية، أم أنه يعكس تحولًا أعمق في المزاج العام.
التجربة الأمريكية تُظهر أن شعبية الرؤساء قابلة للتحسن مع تغير المعطيات الاقتصادية أو تحقيق إنجازات تشريعية ملموسة. لكن استمرار الاتجاه الهبوطي لفترة أطول قد يرسخ صورة ذهنية سلبية يصعب تعديلها قبيل الاستحقاقات الكبرى.
تعكس استطلاعات فبراير 2026 لحظة سياسية دقيقة في مسار إدارة ترامب. فبين أرقام تأييد متراجعة، واستقطاب داخلي متصاعد، وانتخابات نصفية تلوح في الأفق، يقف البيت الأبيض أمام اختبار حقيقي لقدرة القيادة على استعادة الثقة دون المخاطرة بتصعيد غير محسوب.
الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان تآكل الشعبية محطة عابرة في دورة سياسية طبيعية، أم بداية إعادة رسم لخريطة القوة داخل المشهد الأمريكي.










