تصاعد النزاع في ولاية النيل الأزرق السودانية يهدد الاستقرار الإقليمي ويزيد المخاطر الإنسانية، مع تداخل مصالح السودان وإثيوبيا وجنوب السودان ودول إقليمية أخرى، وسط استخدام الطائرات المسيرة والأسلحة المتقدمة.
الخرطوم، 20 فبراير 2026 المنشر الإخبارى
شهدت ولاية النيل الأزرق في السودان تصعيدًا ملحوظًا في النزاع المستمر بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF)، وهي منطقة استراتيجية تقع على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، ما يجعلها معرضة بشكل كبير لخطر زعزعة الاستقرار الإقليمي. خلال الشهرين الماضيين، كثّفت كلا الفصيلين العمليات العسكرية في مناطق مثل «السلّك»، «بوت»، و«الكرمك»، مستخدمين الطائرات المسيرة وتقنيات عسكرية متقدمة في محاولة للسيطرة على مناطق جديدة من الأرض. ويظل النيل الأزرق هدفًا رئيسيًا للسيطرة العسكرية ضمن إدارة النزاع الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي.
أهمية النيل الأزرق والسيطرة على الموارد
تكتسب ولاية النيل الأزرق أهمية كبيرة نظرًا لموقعها الاستراتيجي على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، حيث تقع منطقة بنشينغول-جوموز الإثيوبية، التي تضم السد الإثيوبي الكبير المثير للجدل المعروف باسم «سد النهضة»، بالإضافة إلى مواقع تدريب المقاتلين الذين انضموا لاحقًا إلى قوات الدعم السريع، كما كشفت تحقيقات وكالة «رويترز» في 10 فبراير 2026. وأظهرت التحقيقات تورط الإمارات العربية المتحدة في النزاع السوداني، بما يشير ضمنيًا إلى تدخل محتمل لدول إقليمية أخرى، بما فيها إثيوبيا. عقب نشر التحقيق، تم سحب اعتماد ثلاثة صحفيين من «رويترز» في أديس أبابا ومنعهم من تغطية قمة الاتحاد الأفريقي التي عقدت في العاصمة الإثيوبية يومي 14 و15 فبراير، في خطوة تعكس التوتر المتصاعد بين السلطات ووسائل الإعلام.
الديناميكيات الدبلوماسية الإقليمية
في 11 فبراير، استقبل رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان في أديس أبابا، قبل أن تتوجه بعثة سعودية برئاسة نائب وزير الخارجية وليد الخريجي إلى إريتريا في اليوم التالي، وهو ما يعكس تعقيد النفوذ الإقليمي وتشابك المصالح. كما شهدت العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة مؤخرًا توترًا كبيرًا، مع مخاطر اندلاع صراع جديد بعد أربع سنوات فقط من انتهاء الحرب في تيغراي (2020-2022). إضافة إلى ذلك، زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إثيوبيا في 17 فبراير، حيث طلب منه رئيس الوزراء دعم مطالب إثيوبيا بالوصول إلى البحر الأحمر، في حين وجه أردوغان الانتباه إلى قضية الاعتراف باستقلال أرض الصومال، معتبرًا أنها لن تحقق أي فائدة للأطراف المعنية.
الوضع الإنساني المتفاقم
أكد وزير الثروة الحيوانية السابق في النيل الأزرق، منير إلياس، في مقابلة مع وكالة «نوفا» أن الوضع الإنساني في المنطقة أصبح حرجًا، مع تزايد أعداد النازحين من مختلف أنحاء الولاية. وأشار إلى أن استمرار التصعيد العسكري سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية، خاصة في ظل ضعف استجابة المنظمات الدولية. كما أوضح أن الاستقطاب السياسي والانقسامات الداخلية تؤدي إلى زيادة حدة النزاعات بين المجتمعات المحلية، مع تأثير مباشر على استقرار السودان ككل.
دور الزعماء القبليين والقوة الاقتصادية
يلعب الزعماء القبليون دورًا محوريًا في النزاع، حيث ينحازون إما إلى القوات المسلحة السودانية أو إلى قوات الدعم السريع المدعومة من حركة تحرير السودان-شمال (SPLM-N) منذ بداية الحرب في أبريل 2023. ويضيف إلياس أن ولاية النيل الأزرق أصبحت منطقة متنازعًا عليها بسبب أهميتها في الموارد المائية، ومع بناء سد النهضة اكتسبت أهمية استراتيجية أكبر. وفي الوقت نفسه، تحظى القوات المسلحة السودانية بدعم من الحركة الإسلامية السودانية، التي لها تأثير واسع في منطقة بنشينغول-جوموز الإثيوبية من خلال المنظمات الدينية المحلية، وهو ما ساهم في زعزعة استقرار المنطقة. وأكد إلياس أن السيطرة الاقتصادية ستلعب دورًا حاسمًا في تحديد من سيتمكن من فرض رؤيته على الأرض.
حالة الطوارئ والمخاطر المستقبلية
ولاية النيل الأزرق تعيش تحت حالة طوارئ منذ عام 2022، مع استمرار النزاع وتأثيراته العميقة على الجوانب الإنسانية والسياسية. ويشير ذلك إلى الحاجة الماسة لتدخل إقليمي ودولي عاجل لوقف التصعيد وتقديم الدعم الإنساني. ويظهر بوضوح أن النزاع في هذه المنطقة ليس مجرد مواجهة محلية، بل جزء من شبكة معقدة من المصالح الإقليمية والدولية تشمل السودان وإثيوبيا وجنوب السودان، إضافة إلى أطراف داعمة من دول الخليج وأخرى دولية.
تصاعد القتال في ولاية النيل الأزرق يمثل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي، ويكشف عن شبكة معقدة من العلاقات بين أطراف محلية وإقليمية ودولية. ومع استمرار استخدام الطائرات المسيرة والأسلحة المتقدمة، تتزايد المخاطر الإنسانية والسياسية، بينما يبقى الوصول إلى حل سلمي عاجلًا لتجنب تفجر نزاعات أوسع تشمل دول الجوار وتؤثر على الأمن والاستقرار في القرن الأفريقي.









