واشنطن تضغط على الوكالة الدولية للطاقة لإعادة التركيز على أمن الطاقة بدلاً من أهداف المناخ الصارمة
الولايات المتحدة تضغط على وكالة الطاقة الدولية لإلغاء التركيز على صافي الانبعاثات الصفري، مهددة بالانسحاب في حال عدم تعديل الاستراتيجية، في ظل جدل عالمي حول التوازن بين الأمن الطاقي والالتزامات المناخية الدولية.
واشنطن – 20 فبراير 2026 المنشر الإخبارى
أعلنت الولايات المتحدة تصعيد موقفها تجاه وكالة الطاقة الدولية (IEA)، مهددة بالانسحاب من المنظمة في حال لم تُلغِ الوكالة خلال عام واحد تركيزها على تحقيق صافي الانبعاثات الصفري للغازات الدفيئة. وتأتي هذه التحركات في ظل جدل متصاعد على الساحة الدولية بشأن التوازن بين الأمن الطاقي والالتزامات البيئية العالمية، وسط مخاوف من تأثير ذلك على الأسواق العالمية للطاقة ومستقبل التحول المناخي.
جاء ذلك خلال الاجتماع الوزاري السنوي للدول الأعضاء بالوكالة الذي عُقد يوم أمس في العاصمة الفرنسية باريس، حيث شدّد وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت على ضرورة إعادة الوكالة إلى مهمتها الأصلية، المتمثلة في ضمان استقرار إمدادات الطاقة وتأمين الوصول إلى مصادر الطاقة الحيوية. ووصف رايت أهداف الحياد الكربوني بأنها “وهم مدمر”، مؤكّدًا أن استمرار الوكالة في هذا الاتجاه قد يؤدي إلى اتخاذ الولايات المتحدة خطوات حاسمة، بما في ذلك الانسحاب الكامل من المنظمة.
ويعتبر هدف صافي الانبعاثات الصفري حجر الزاوية في اتفاقية باريس للمناخ، التي تهدف إلى الحد من ارتفاع حرارة الأرض إلى 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية. ورغم أهمية هذه الأهداف، أكد رايت أن احتمالية تحقيقها ضئيلة للغاية، مشيرًا إلى أن التقرير السنوي الأخير للوكالة تضمن سيناريو يعتمد على السياسات الحالية، ويتوقع زيادة الطلب على النفط والغاز على مدار العقود المقبلة، ما يعكس تعقيدات الجمع بين الأهداف المناخية والأمن الطاقي.
من جهته، أوضح المدير التنفيذي للوكالة فاتح بيرول خلال مؤتمر صحفي أن الوكالة ستواصل تطوير سيناريوهات متعددة للطاقة، بما في ذلك تلك التي تتوافق مع أهداف المناخ العالمية. وأضاف بيرول أن محتوى التقرير القادم سيتم تحديده خلال الأشهر المقبلة، مشيرًا إلى أن فترة ولايته الحالية ستنتهي في عام 2027.
ضغوط أمريكية متصاعدة
تتزامن هذه التهديدات الأمريكية مع تصاعد الضغوط الداخلية على إدارة الرئيس الأمريكي لتقليل الالتزامات البيئية أمام أولويات الأمن الطاقي والنمو الاقتصادي. ويأتي هذا في وقت تحاول فيه واشنطن توجيه رسالة واضحة للدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية بأن التركيز على صافي الانبعاثات الصفري قد يقوض سياسات الطاقة التقليدية، ويحد من القدرة على تلبية الطلب المتزايد على النفط والغاز الطبيعي.
ويشير خبراء الطاقة إلى أن هذه الخطوة الأمريكية تمثل اختبارًا دوليًا للقدرة على التوفيق بين السياسات المناخية والطاقة، خصوصًا في ظل التغيرات الكبيرة التي يشهدها سوق الطاقة العالمي، بما في ذلك التحولات نحو الطاقة المتجددة وزيادة الطلب على الوقود الأحفوري في بعض المناطق.
تداعيات محتملة على الأسواق العالمية
يشكّل هذا النزاع بين الولايات المتحدة ووكالة الطاقة الدولية خطرًا على الاستقرار في أسواق النفط والغاز العالمية. فانسحاب الولايات المتحدة قد يقلص التأثير الأمريكي على صناعة الطاقة الدولية ويعقد التنسيق بين الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة. من جهة أخرى، يثير هذا الموقف مخاوف من أن يؤدي التركيز المفرط على صافي الانبعاثات الصفري دون مراعاة الواقع الاقتصادي للطاقة إلى رفع تكاليف الإنتاج والطاقة في الدول الصناعية، ما قد يؤدي إلى تضخم أسعار الوقود والكهرباء، ويؤثر على سلاسل الإمداد العالمية.
توازن صعب بين المناخ والأمن الطاقي
يشير محللو الطاقة إلى أن الولايات المتحدة تسعى لإعادة تعريف أولويات وكالة الطاقة الدولية بحيث تُركز على الأمن الطاقي وتأمين الإمدادات الحيوية، مع تقليل الأهداف الطموحة المتعلقة بخفض الانبعاثات. ورغم أن الالتزامات المناخية ضرورية، فإن واشنطن ترى أن الأهداف الحالية للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية غير واقعية، خصوصًا في ظل زيادة الطلب على الطاقة في جميع أنحاء العالم.
وفي المقابل، تؤكد وكالة الطاقة الدولية على أنها ستواصل تقديم سيناريوهات متعددة، تراعي الاحتياجات العالمية للطاقة مع الالتزامات البيئية، محذرة من أن تجاهل الأهداف المناخية قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في درجات الحرارة العالمية ومزيد من الأزمات البيئية على المدى الطويل.
في ضوء هذه التطورات، يبدو أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة لدور وكالة الطاقة الدولية في صياغة سياسات الطاقة العالمية، وكيفية التوفيق بين الأهداف المناخية الطموحة ومتطلبات الأمن الطاقي والاستقرار الاقتصادي. ومن المتوقع أن تستمر الولايات المتحدة في ممارسة الضغط على الوكالة لضمان أن السياسات المستقبلية تركز على الأمن الطاقي ومصالحها الاقتصادية، ما يفتح نقاشًا عالميًا محتدمًا حول مستقبل الطاقة ومكافحة تغير المناخ.











