التوتر يتصاعد بين لندن وواشنطن حول جزيرة دييغو غارسيا بعد نقل سيادة أرخبيل تشاغوس إلى موريشيوس، وسط تحذيرات من تأثيرات عسكرية وقانونية محتملة على التحالف الغرب
لندن – المنشر الإخبارى
لم تعد جزر تشاغوس مجرد ملف استعماري قديم أو نزاع قانوني مؤجل، بل تحوّلت في الأسابيع الأخيرة إلى بؤرة توتر سياسي واستراتيجي بين لندن وواشنطن، في لحظة دولية شديدة الحساسية. الاتفاق الذي أبرمته الحكومة البريطانية لنقل السيادة على الأرخبيل إلى موريشيوس، مع الاحتفاظ بحق استخدام قاعدة دييغو غارسيا لمدة 99 عامًا، أعاد رسم خطوط التماس داخل التحالف الغربي نفسه.
في الظاهر، تبدو الصفقة تسوية قانونية تاريخية تنهي نزاعًا استمر عقودًا. لكن في العمق، يراها منتقدون مقامرة سياسية قد تُضعف واحدة من أهم الركائز العسكرية للغرب خارج أراضيه.
من نزاع قانوني إلى اختبار استراتيجي
جزر تشاغوس، الواقعة في قلب المحيط الهندي، كانت موضع خلاف طويل بين بريطانيا وموريشيوس، التي تؤكد أن فصل الأرخبيل عنها خلال الحقبة الاستعمارية كان غير قانوني. ومع تصاعد الضغوط الدولية وقرارات أممية تدعو لندن إلى إعادة الجزر، اختارت حكومة كير ستارمر المضي نحو تسوية تعيد السيادة رسميًا إلى موريشيوس.
غير أن هذه التسوية لم تكن خطوة رمزية فقط، بل رافقها اتفاق واضح يضمن استمرار تشغيل القاعدة العسكرية المشتركة في دييغو غارسيا عبر عقد إيجار طويل الأمد. لندن رأت في ذلك حلاً متوازنًا يحفظ ماء الوجه القانوني ويؤمن المصالح الدفاعية.
لكن في واشنطن، لم يمر الاتفاق بهدوء.
ترامب يدخل على الخط
الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعاد إشعال الجدل عندما وصف الخطوة البريطانية بأنها “حماقة بالغة”، داعيًا إلى عدم التخلي عن دييغو غارسيا تحت أي ظرف. ورغم أن مؤسسات أميركية كانت قد أبدت موافقة أولية على التفاهم مع لندن، فإن مواقف ترمب المتقلبة أعادت الملف إلى دائرة الشكوك.
في حسابات البيت الأبيض، لا تتعلق المسألة فقط بالسيادة الشكلية، بل بإمكانية تغير المواقف السياسية مستقبلًا في موريشيوس، أو بفتح الباب أمام طعون قانونية قد تعقّد استخدام القاعدة في أوقات الأزمات.
تصريحات ترمب جاءت في سياق تصعيد أوسع تجاه إيران، ما أضفى على القضية بعدًا أمنيًا مباشرًا.
دييغو غارسيا.. قلب العمليات الغربية
تُعد دييغو غارسيا واحدة من أهم القواعد العسكرية في شبكة الانتشار الأميركي العالمي. موقعها الاستراتيجي يسمح بالوصول السريع إلى الشرق الأوسط، شرق أفريقيا، وجنوب آسيا. ومنذ عقود، استُخدمت في عمليات عسكرية كبرى، من حربي الخليج إلى الحرب على الإرهاب.
في السنوات الأخيرة، عادت القاعدة إلى الواجهة مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر، حيث استُخدمت لدعم عمليات ضد جماعات مسلحة في اليمن. كما يُنظر إليها كمنصة محتملة لأي تحرك عسكري مرتبط بالملف النووي الإيراني.
لكن ثمة قيدًا حاسمًا: أي عملية عسكرية تنطلق من القاعدة تتطلب موافقة بريطانية مسبقة، ما يمنح لندن دورًا محوريًا في تحديد طبيعة الاستخدام.
بين القانون الدولي والتحالف الأطلسي
تواجه الحكومة البريطانية معادلة دقيقة. فمن جهة، تريد الحفاظ على “العلاقة الخاصة” مع واشنطن، وهي ركيزة أساسية في سياستها الدفاعية. ومن جهة أخرى، تسعى إلى تجنب التورط في عمليات قد تثير جدلًا قانونيًا دوليًا، خاصة في ظل حساسية أي ضربة محتملة لإيران.
وزارة الدفاع البريطانية اكتفت بالتأكيد أنها لا تعلق على العمليات العسكرية، وأنها تدعم المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران. هذا الموقف يعكس حذرًا واضحًا، وربما رغبة في إبقاء الباب مفتوحًا أمام جميع الخيارات دون التزام مسبق.
لقاء واشنطن.. رسائل متعددة
في هذا المناخ المشحون، تلتقي وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر بنظيرها الأميركي ماركو روبيو في واشنطن. الاجتماع لا يقتصر على ملف تشاغوس، بل يشمل قضايا الدفاع والتنسيق الأمني والتطورات الإقليمية.
لكن من الصعب فصل أي نقاش دفاعي عن مصير دييغو غارسيا، خاصة مع تصاعد التصريحات السياسية في واشنطن.
اللقاء يُنظر إليه كاختبار لقدرة الطرفين على إدارة الخلاف بهدوء، ومنع تحوله إلى أزمة علنية.
حسابات لندن الداخلية
داخليًا، تواجه حكومة ستارمر ضغوطًا متباينة. تيار يرى في إعادة السيادة إلى موريشيوس خطوة تصحيحية تعزز صورة بريطانيا كدولة تحترم القانون الدولي. وتيار آخر يحذر من أن أي تراجع في السيطرة المباشرة قد يُضعف النفوذ البريطاني العالمي.
كما أن المعارضة قد تستغل أي توتر مع واشنطن لاتهام الحكومة بسوء تقدير استراتيجي.
إضافة إلى ذلك، فإن الرأي العام البريطاني لا يتعامل مع الملف من زاوية عسكرية بحتة، بل ينظر أيضًا إلى الإرث الاستعماري وقضية سكان تشاغوس الذين هُجّروا في سبعينيات القرن الماضي.
إيران في الخلفية
التصعيد الأميركي تجاه إيران أعطى للقضية بعدًا أكثر حساسية. ترمب لوّح بإمكانية اتخاذ إجراءات صارمة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نووي جديد خلال فترة زمنية قصيرة.
في هذا السياق، تبدو دييغو غارسيا ورقة ردع مهمة. لكن استخدام القاعدة في أي ضربة عسكرية قد يضع بريطانيا في قلب مواجهة إقليمية واسعة، وهو ما تحاول لندن تجنبه عبر التأكيد على دعم الحلول السياسية.
هل تتغير قواعد اللعبة؟
السؤال الجوهري ليس ما إذا كانت بريطانيا “تتخلى” عن القاعدة، بل ما إذا كانت صيغة الإيجار الطويل كافية لضمان استقرار استخدامها لعقود مقبلة.
الاتفاق يمنح الولايات المتحدة وبريطانيا حق التشغيل لمدة 99 عامًا، وهو إطار زمني طويل في الحسابات السياسية. لكن منتقدي الصفقة يرون أن نقل السيادة قد يخلق تعقيدات قانونية مستقبلية، خاصة إذا تغيرت البيئة الجيوسياسية في المحيط الهندي، حيث يتزايد النفوذ الصيني والهندي.
اختبار العلاقة الخاصة
لطالما وُصفت العلاقة بين لندن وواشنطن بأنها تحالف استثنائي يتجاوز الخلافات العابرة. غير أن قضية تشاغوس تكشف أن حتى أقوى التحالفات ليست بمنأى عن التباين في الرؤى.
إذا نجح الطرفان في احتواء الجدل، فقد تتحول الأزمة إلى نموذج لإدارة الخلاف داخل التحالف. أما إذا تصاعدت التصريحات السياسية وتحولت إلى ضغوط علنية، فقد نشهد توترًا غير مسبوق منذ سنوات.
ما وراء الجزيرة
في النهاية، لا تختزل القضية في جزيرة نائية وسط المحيط الهندي، بل تتعلق بمستقبل التوازن بين الشرعية الدولية والمصالح الاستراتيجية، وبين السيادة الوطنية ومتطلبات التحالف العسكري.
تشاغوس اليوم ليست مجرد ملف قانوني أو عسكري، بل مرآة تعكس تحولات أعمق في النظام الدولي، حيث تتقاطع اعتبارات التاريخ مع رهانات الأمن، وتُختبر قدرة الحلفاء على التكيف مع عالم يتغير بسرعة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تمثل صفقة تشاغوس خطوة ذكية تعيد تموضع بريطانيا عالميًا، أم أنها مغامرة قد تكلفها نفوذًا استراتيجيًا يصعب تعويضه؟ الإجابة لن تتحدد بالتصريحات وحدها، بل بكيفية إدارة لندن وواشنطن لهذا الملف في الأشهر المقبلة، وسط إقليم ملتهب وحسابات دولية معقدة.












