شهدت منطقة وادي البقاع شرق لبنان يوم الجمعة موجة من الغارات الجوية الإسرائيلية العنيفة التي تعد الأشد منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، ووفق بيانات الجيش الإسرائيلي فقد تم استهداف ثلاثة مقار رئيسية للوحدة الصاروخية التابعة لحزب الله في مدينة بعلبك
وأدت الغارات إلى مقتل عدد كبير من عناصر الحزب بينهم قياديان بارزان هما قاسم علي مهدي وحسين محمد ياغي.
وقد أكد الجيش الاسرائيلي في بيان رسمي أن الهدف من هذه الغارات هو إحباط محاولات التسلح وتسريع رفع الجاهزية العسكرية ومنع أي هجمات وشيكة كانت مخططة لاستهداف الأراضي الإسرائيلية.
وشدد على أن الوحدة الصاروخية تتحمل المسؤولية المباشرة عن القذائف السابقة والتخطيط لاعتداءات جديدة وأن الجيش سيتحرك بقوة لمنع حزب الله من إعادة إعمار قدراته العسكرية.
الحصيلة البشرية والميدانية
أسفرت الغارات عن سقوط أكثر من عشرة قتلى وإصابة نحو ثلاثين شخصا بجروح متفاوتة، وتستمر عمليات البحث والإنقاذ تحت الأنقاض في المناطق المستهدفة التي شملت قضاء زحلة حيث استهدفت الغارات ثلاثة مبان عند أطراف بلدة رياق، وقضاء بعلبك الذي طالته الغارات في بلدة بدنايل وأطراف بلدة تمنين التحتا.
كما استهدفت الغارات مخيم عين الحلوة في صيدا ما أدى إلى مقتل شخصين في موقع وصفه الجيش الإسرائيلي بأنه مركز قيادة لحركة حماس، بالإضافة إلى استهداف سيارة بمسيرة عند نقطة المصنع الحدودية على الحدود اللبنانية السورية، وقد أظهرت هذه الضربات تنوع الأهداف الجغرافية والعملياتية ما يعكس خطة دقيقة لشن ضربات موجعة على مواقع الحزب وقياداته.
بيان الجيش الإسرائيلي: ضربة للوحدة الصاروخية
أكد الجيش في بيان رسمي أن الغارات استهدفت ثلاثة مقار للوحدة الصاروخية التابعة لحزب الله في بعلبك، مشيرا إلى أنه تم إحباط التسلح من خلال رصد تحركات لتسريع عمليات التسلح ورفع الجاهزية العسكرية، منع هجمات وشيكة بإحباط مخططات لإطلاق صواريخ باتجاه الأراضي الإسرائيلية، وتحميل الوحدة المسؤولية المباشرة عن القذائف السابقة والتخطيط لاعتداءات جديدة، وشدد الجيش على أنه سيتحرك بقوة لمنع حزب الله من إعادة إعمار قدراته العسكرية.
رد فعل حزب الله ونعي العناصر
رغم غياب التصريحات الرسمية من القيادة السياسية للحزب، أعلن حزب الله نعي ستة من عناصره سقطوا خلال المواجهات، بينهم قياديان بارزان هما قاسم علي مهدي وحسين محمد ياغي.
وقد اعتبر مراقبون أن هذا النعي يهدف إلى تهدئة الرأي العام المحلي والتأكيد على استمرار قدراته رغم الضربات، إلا أن استهداف قياديين بارزين يطرح علامات استفهام حول تأثير هذه الضربات على القدرات التنظيمية والوحدات الصاروخية في المستقبل القريب.
الهدنة في مهب الريح
تأتي هذه التطورات في سياق هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرم برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، والذي نص على انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان وإخلاء المنطقة من سلاح حزب الله، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن إسرائيل ما زالت تحتفظ بقواتها في خمسة مواقع على الأقل بعد انتهاء المهلة المحددة للانسحاب، واستمرت الغارات الجوية بذريعة منع إعادة التسلح.
في حين فشلت الحكومة اللبنانية في تنفيذ بنود تفكيك البنى التحتية العسكرية للحزب نتيجة التوترات الداخلية والخلافات السياسية، الأمر الذي ساهم في تفاقم حالة عدم الاستقرار في الجنوب اللبناني والحدود مع إسرائيل.
تداعيات التصعيد على الأمن الإقليمي
رصدت وسائل الإعلام اللبنانية ارتفاع وتيرة التحركات الميدانية لقوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني في محيط المناطق المستهدفة، حيث تم فرض حظر تجول جزئي لتسهيل عمليات الإسعاف والبحث عن الجرحى والضحايا.
كما دعت السلطات المحلية السكان إلى التزام منازلهم وتجنب التواجد قرب المواقع التي شملتها الغارات، فيما حاولت منظمات الإغاثة تقديم المساعدة للمتضررين والبحث عن الناجين في المباني المدمرة، ويعد هذا التصعيد الأعنف منذ الهدنة اختبارا جديدا لقدرة لبنان على الحفاظ على الاستقرار الداخلي وسط توترات متزايدة على الحدود الشمالية والشرقية للبلاد.
ويشير خبراء عسكريون إلى أن الضربات الإسرائيلية تأتي ضمن استراتيجية تهدف إلى الحد من قدرة حزب الله على تنفيذ هجمات صاروخية مفاجئة على إسرائيل، وإرسال رسالة واضحة بأن تل أبيب ستتعامل بحزم مع أي تهديد مستقبلي، وهو ما يضع الحزب في موقف دفاعي ويزيد من الضغوط على قياداته لاتخاذ خطوات احترازية لتجنب المزيد من الخسائر.
كما أن استمرار هذه الغارات يثير تساؤلات عن قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على التدخل لوقف التصعيد قبل أن يتحول إلى مواجهة شاملة.
وعلى الصعيد الإقليمي، أعربت الأمم المتحدة وعدد من القوى الدولية عن قلقها البالغ من استمرار التصعيد، داعية جميع الأطراف إلى ضبط النفس والعودة إلى طاولة المفاوضات لتجنب اندلاع نزاع واسع النطاق.
فيما حذر مراقبون من أن أي خطأ حسابي في تقدير الردود المتبادلة قد يؤدي إلى مواجهة مفتوحة تشمل الأراضي اللبنانية والإسرائيلية، وهو ما يجعل الوضع شديد الحساسية ويضع المنطقة أمام مخاطر حقيقية على المستوى الأمني والسياسي.
يعكس التصعيد الأخير هشاشة الهدنة القائمة منذ نوفمبر 2024 ويبرز المخاطر الكامنة في استمرار التوتر على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، كما يوضح حجم التحديات التي تواجه الأطراف المحلية والإقليمية والدولية في العمل على تثبيت وقف إطلاق النار وضمان عدم تحول هذه المواجهات المحدودة إلى صراع أوسع يمتد إلى مناطق أخرى في لبنان أو حتى إلى دول مجاورة، ويظل المجتمع الدولي مطالبا بمراقبة الوضع عن كثب والضغط على جميع الأطراف للعودة إلى الحوار السياسي ووقف أي عمليات عسكرية قد تزيد من تعقيد المشهد الأمني.
اختبار جديد للأمن والاستقرار في المنطقة
يمكن القول إن هذه الغارات تشكل مرحلة جديدة من التوتر في علاقة إسرائيل بحزب الله، وقد تحمل في طياتها إشارات لمزيد من العمليات العسكرية إذا لم تتغير الديناميكيات الميدانية والسياسية في الأيام المقبلة.
فيما تبقى المخاطر الأمنية والإنسانية ماثلة أمام السكان المحليين، ويحتاج لبنان وإسرائيل والمجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات عاجلة لاحتواء الأزمة ومنع تحولها إلى مواجهة شاملة قد تكون لها تداعيات طويلة المدى على المنطقة بأسرها، مما يجعل متابعة التطورات عن كثب أمرا بالغ الأهمية في الأيام القادمة.










