خامنئي في مواجهة أسوأ أزماته: قمع الاحتجاجات والتهديدات الأمريكية تضع المرشد الأعلى على شفا الانهيار
طهران – المنشر الإخبارى
منذ 36 عامًا، يحكم آية الله علي خامنئي إيران بقبضة من حديد، مستفيدًا من النظام المعقد الذي يضمن له السلطة المطلقة على جميع مفاصل الدولة، من الحكومة والقضاء إلى الجيش وقوات الحرس الثوري. إلا أن العام 2026 يبدو مختلفًا. تواجه إيران أزمات متراكمة من الداخل والخارج، وتهدد صواريخ ترامب وأوراق الضغط الأمريكية بفتح صفحة جديدة من الصراع الإقليمي قد تهز أركان حكمه.
الاقتصاد الإيراني غارق في العجز بسبب العقوبات، والشعب يئن تحت وطأة الفقر والبطالة. في يناير الماضي، شهدت البلاد أكبر احتجاجات منذ الثورة الإسلامية، وارتقى الآلاف من الضحايا خلال حملة قمع دموي نفذتها قوات الحرس الثوري وقوات البسيج شبه العسكرية. هذا القمع هو الأحدث ضمن سلسلة حملات دموية، تعكس خشونة النظام وتصميمه على الاحتفاظ بالسلطة مهما كلف الأمر.
الحرب في الشرق الأوسط… والضربات الأمريكية الإسرائيلية
لم تقتصر أزمات خامنئي على الداخل الإيراني فحسب. فالمنطقة بأسرها تتقاطع مع مصالحه: إسرائيل والهجمات الأمريكية استهدفت منشآت نووية وصاروخية حيوية العام الماضي، مما أدى إلى تراجع نفوذ إيران الإقليمي. حزب الله في لبنان أصبح ضعيفًا، بينما سقط نظام بشار الأسد في سوريا، فخفت قدرة إيران على التحكم في الأحداث الإقليمية.
وفي الوقت ذاته، تواجه طهران ضغوطًا أمريكية للانسحاب من أهم أدوات الردع المتبقية، ترسانتها الصاروخية، بينما تُظهر خامنئي عنادًا مطلقًا في رفض التخلي عن صواريخه الباليستية، التي يعتبرها الخط الدفاعي الأخير ضد أي هجوم إسرائيلي محتمل. هذه المرونة المذهلة في المعارك التكتيكية والصلابة العقائدية معًا تجعل إيران على شفا مواجهة عسكرية محتملة، مما يضع المرشد في موقع لا يحسد عليه.
الشعب يثور… والمرشد يقمع
تُظهر الأحداث الأخيرة أن الشعب الإيراني لم يعد يهاب سلطة المرشد الأعلى، فقد هتف المتظاهرون في شوارع طهران ومدينة مشهد وغيرها “الموت للطاغية!”، ما دفع قوات الأمن لإطلاق النار بشكل دموي. تشير تقارير إلى أن القمع أدى إلى سقوط آلاف الضحايا، بينهم شباب ونساء وكبار السن، في محاولة لردع أي محاولة للمطالبة بالحرية أو الإصلاح.
خامنئي نفسه يرى في هذه الاحتجاجات تحديًا وجوديًا، فهو لا يقبل أي تهديد لسلطته أو لنظام الجمهورية الإسلامية. ومع ذلك، فإن سجل المرشد يظهر أنه ليس مجرد متشدد أيديولوجيًا، بل أنه بارع في المناورات السياسية، ويعرف متى يخفف الضغط لتحقيق أهداف استراتيجية. فقد اعتمد مفهوم “المرونة البطولية” الذي يسمح له بتقديم تنازلات تكتيكية دون المساس بالسلطة الأساسية للنظام، كما فعل خلال اتفاقية 2015 النووي مع القوى الكبرى، قبل أن تنسحب الولايات المتحدة منه في 2018 وتعيد فرض العقوبات.
جهاز السلطة: الحرس الثوري والبسيج
المرشد الأعلى لا يعتمد فقط على شخصيته في السيطرة على إيران، بل يعتمد على جهاز قوي من قوات الحرس الثوري والبسيج شبه العسكرية، التي تضم مئات الآلاف من المتطوعين. هذه الأجهزة كانت العمود الفقري في سحق أي احتجاجات، بدءًا من احتجاجات إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد عام 2009 وحتى موجة الاحتجاجات الأخيرة على وفاة الشابة الكردية مهسا أميني في 2022، وأحدثها في يناير 2026.
إضافة إلى ذلك، يمتلك خامنئي إمبراطورية مالية ضخمة تحت سيطرته المباشرة تُعرف باسم “ستاد”، تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات، واستثمرت بشكل كبير لدعم الحرس الثوري. هذه الإمبراطورية تمنحه قدرة غير مسبوقة على التحكم في الموارد المالية للدولة، مما يعزز قبضته على السلطة ويتيح له التدخل في كل مفصل اقتصادي أو سياسي.
إيران والغرب: عداء مستمر ومراوغات دبلوماسية
خامنئي معروف بعدائه العميق للغرب، خصوصًا الولايات المتحدة، متهمًا إياها بمحاولة الإطاحة به وبتأجيج الاحتجاجات. وفي خطابه بعد احتجاجات يناير، وصف ترامب بالمجرم لما تسبب به من قتلى وأضرار وتشويه للسمعة الإيرانية. رغم ذلك، أظهر خامنئي مرونة تكتيكية في بعض القضايا عندما كان بقاء الجمهورية الإسلامية على المحك، كما ظهر في دعمه للاتفاق النووي الإيراني 2015، الذي أعطى بعض الإغاثة الاقتصادية وضمانات لتمكين النظام من الصمود.
مرونة استثنائية تحت الضغط
مصطلح “المرونة البطولية” يعكس قدرة خامنئي على الموازنة بين الصلابة العقائدية والمرونة التكتيكية. ففي مواجهة أزمات مثل الحرب مع العراق أو الضغوط الأمريكية على البرنامج النووي الإيراني، أظهر المرشد قدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية مؤثرة، حتى لو تطلبت تقديم تنازلات مؤقتة.
هذه المرونة ساعدته على الصمود ضد الأزمات، بدءًا من محاولة اغتياله في 1981 التي أصابت يده بالشلل، وصولًا إلى الثورة الإيرانية والحرب مع العراق، ليبني حكمًا مركزيًا صارمًا يعتمد على شبكة من الأمن والمال والجيش.
خامنئي والبرنامج النووي والصواريخ الباليستية
في قلب الأزمة الحالية، يقف البرنامج النووي والصواريخ الباليستية الإيرانية. ففي حين أبدت إيران بعض المرونة تجاه البرنامج النووي الذي تقول إنه سلمي، رفض خامنئي التخلي عن الصواريخ الباليستية التي تعتبرها طهران خط الدفاع الأخير ضد أي هجوم. هذا الموقف المتشدد يضع إيران على شفا مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، ويجعل المنطقة بأكملها على حافة الانفجار.
نهاية محتملة لحقبة طويلة
مع توالي الأزمات الاقتصادية، الاحتجاجات الشعبية، الضربات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية، وتراجع نفوذ إيران الإقليمي، يبدو أن خامنئي يواجه أكبر تحدٍ منذ توليه السلطة عام 1989. فحتى أعظم الأنظمة الأيديولوجية تصطدم بالواقع، وخامنئي رغم قوته ونفوذه، يواجه اختبارًا قاسيًا: هل يستطيع الحفاظ على سلطته وسط تآكل الدعم الشعبي وتزايد الضغوط الدولية؟
المرشد الأعلى، الذي قضى عقودًا في بناء حكم مركزي، مدعومًا بالأجهزة الأمنية والإمبراطورية المالية، أصبح اليوم أمام مفترق طرق. أي خطوة خاطئة قد تضعف قبضته على الدولة، وتفتح المجال لتغييرات جوهرية في السياسة الإيرانية وربما المنطقة بأكملها.









