تحديات الانتخابات اللبنانية: عزوف المرشحين وتداعيات أمنية وسياسية غير مسبوقة
بيروت- المنشر الإخبارى
يشهد لبنان، عشية استحقاقه الانتخابي البرلماني المقرر في مايو/ أيار 2026، حالة غير مسبوقة من العزوف عن الترشح، ما يضع البلاد أمام احتمالات صعبة على صعيد الاستقرار السياسي والدستوري. بيانات وزارة الداخلية كشفت عن تسجيل 5 طلبات فقط للترشح خلال الأسبوع الأول لفتح باب الترشح في 10 فبراير/ شباط الجاري، وهو رقم متدني للغاية، يطرح تساؤلات جدية حول جدوى العملية الديمقراطية في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية المتراكمة.
الإحصاءات الصادمة وتأثيرها على العملية الديمقراطية
إن قلة الترشيحات ليست مجرد رقم تقني، بل تعكس واقعًا سياسياً واجتماعياً عميقاً. المحلل السياسي جبران سليم الدرة يرى أن هذا العدد القليل يعكس أزمة ثقة متجذرة بين النخب والمواطنين تجاه العملية السياسية. فقد أصبح واضحًا أن حتى السياسيين المحترفين يشككون في قدرة البرلمان على إحداث أي تغيير ملموس. أما المواطنون، فمن جانبهم، فقدوا الأمل في المشاركة الفعالة بانتخابات تحت سيطرة منظومة سياسية لم تقدم إصلاحات حقيقية منذ سنوات طويلة.
ووفقًا للمحلل ياسين الدويش، فإن هذا العزوف يمثل “إنذارًا مبكرًا” لإمكانية تأجيل الانتخابات أو إجرائها بمشاركة هزيلة جدًا، ما يهدد شرعية النتائج البرلمانية ويثير مخاوف من فراغ دستوري محتمل. وأضاف أن هذا التردد لدى المرشحين يعكس الترقب الشديد للنتائج الأمنية والإقليمية، خصوصًا فيما يتعلق بالمفاوضات الأمريكية-الإيرانية حول ملف نزع سلاح حزب الله، إذ لا أحد يرغب بخوض انتخابات في ظل احتمال مواجهة عسكرية جديدة أو تغييرات كبيرة في موازين القوى الداخلية.
ملفات حساسة تهدد العملية الانتخابية
تواجه الانتخابات اللبنانية عدة تحديات هيكلية وفنية تتجاوز فقط مسألة عزوف المرشحين. أبرزها ملف جمع السلاح غير الشرعي، الذي لطالما شكل نقطة خلاف رئيسية بين القوى السياسية. وفقًا للبروفيسور ناصر زيدان، لا توجد علاقة عضوية بين جمع السلاح وإجراء الانتخابات، إلا أن الواقع الميداني يربط بين الملفين، خاصة مع استمرار التصعيد الإسرائيلي المستمر على المناطق الجنوبية، وسعي حزب الله والفصائل الفلسطينية للحفاظ على وجودها العسكري.
عملية جمع السلاح تسير بوتيرة متسارعة، حيث طلب الجيش اللبناني من مجلس الوزراء مهلة إضافية تتراوح بين 4 إلى 8 أشهر لإنهاء المهمة. ومع ذلك، تبقى المخاطر قائمة، إذ أن أي تأجيل للانتخابات لأسباب تتعلق بالوضع الأمني سيشكل ضربة للعهد الجديد ويعزز الشكوك حول مصداقية الحكومة والبرلمان القادم.
تحديات قانونية ومصرفية أمام المرشحين
تتعلق التحديات الأخرى بالجانب القانوني والمصرفي، خاصة بالنسبة للمرشحين المدرجين على لوائح العقوبات الأمريكية، وخصوصًا أعضاء حزب الله. فالمصارف اللبنانية ترفض فتح حسابات مصرفية لهؤلاء المرشحين لضبط الإنفاق الانتخابي، وهو شرط قانوني أساسي لضمان الشفافية في الحملة الانتخابية. هذا الأمر يعقد مشاركة بعض القوى السياسية ويجعل العملية الانتخابية عرضة للطعن القانوني، ما قد يزيد احتمالات تأجيل الانتخابات أو تقييد مشاركة بعض الفئات في البرلمان القادم.
في هذا السياق، يشير خبراء إلى أن الإجراءات الأخيرة لوزارة الداخلية بخصوص طلبات الترشح عن مقاعد المغتربين، والتي رفضت استقبال طلبات الترشح عن 6 مقاعد مخصصة للمغتربين، تشكل مؤشرًا إضافيًا على التعقيدات التي تواجه العملية الانتخابية. فقد أدى هذا الإجراء إلى موجة من الاعتراضات، من بينها اعتراض حركة أمل بعد رفض وزارة الداخلية تسجيل أحد مناصريها، وهو ما يفتح الباب أمام الطعون أمام المجلس الدستوري.
الانقسام السياسي الداخلي وتأثيره على الانتخابات
لبنان يعيش حالة انقسام سياسي حاد بين مختلف الكتل والأحزاب، خاصة فيما يتعلق بملف سلاح حزب الله. الرئيس والحكومة متمسكان بإجراء الانتخابات في موعدها المحدد، تحسبًا لأي فراغ سياسي قد يفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية. ومع ذلك، العديد من الكتل السياسية، داخليًا وخارجيًا، تفضل تأجيل الانتخابات لضمان استمرار الحكومة الحالية لأداء مهامها المتعلقة بجمع السلاح وإجراء الإصلاحات الضرورية.
المرشح الرئاسي السابق أسعد زهيو يرى أن المقاربة الأممية الجديدة التي طرحتها بعثة الأمم المتحدة لليبيا يمكن أن تكون نموذجًا لإدارة الأزمة اللبنانية، وذلك عبر تبني آليات تنفيذية بديلة في حال استمرار العجز السياسي أو الجمود بين القوى التقليدية، بما يعكس أهمية المبادرة العملية لتجاوز الانسداد السياسي.
التداعيات الأمنية والإقليمية
التوترات الأمنية على الحدود الجنوبية اللبنانية وإمكانية تصعيد العمليات العسكرية الإسرائيلية على مواقع حزب الله والفصائل الفلسطينية تزيد من التعقيدات المرتبطة بالانتخابات. فقد أظهرت الفترة الماضية كيف يمكن للتصعيد الأمني أن يصبح ذريعة لتأجيل الاستحقاقات الانتخابية، وهو ما قد يستغله بعض الأطراف لتجميد العملية الديمقراطية وتحقيق مكاسب سياسية على الأرض.
كما يبرز ملف العقوبات الدولية والتوترات الإقليمية كعامل إضافي يثقل كاهل العملية الانتخابية، خصوصًا أن بعض المرشحين، الذين يملكون حضورًا سياسيًا بارزًا، ممنوعون عمليًا من إدارة حملاتهم الانتخابية بشكل قانوني بسبب القيود المصرفية والمالية.
موازين القوى والتأثير على المجلس النيابي المقبل
التحليلات تشير إلى أن إجراء الانتخابات في موعدها قد يغير من موازين القوى داخل البرلمان، خاصة فيما يتعلق بالتوازن بين الفريق المحسوب على المحور الإيراني والفريق السيادي والفريق المستقل. ويؤكد الدكتور ميشال الشماعي أن الانتخابات قد تقلص حصة الفريق المسيحي الذي كان متحالفًا مع حزب الله، في حين يرتفع الرصيد المسيحي لدى الفريق السيادي، كما قد تظهر حالة تململ في الساحة الشيعية تجاه الثنائي الشيعي، مع احتمال حدوث خروقات محدودة تؤثر في نتائج الانتخابات.
ومع ذلك، يرى الشماعي أن حزب الله قد يسعى لتعطيل الانتخابات أو تأجيلها إذا شعر أن النتائج قد تضعفه أو تضر بمصالحه، مستغلًا أي تحركات شعبية أو احتجاجية ناجمة عن قرارات الحكومة الأخيرة، مثل زيادة الضرائب أو الإجراءات الاقتصادية الصعبة.
الأزمة الاقتصادية وتأثيرها على العملية السياسية
الانهيار الاقتصادي المستمر يضاعف الضغوط على المواطنين والطبقة السياسية، ويزيد من إحباطهم تجاه العملية الديمقراطية. فالقدرة على جذب المرشحين والمستثمرين السياسيين تتأثر مباشرة بالوضع المالي، حيث يشير المحللون إلى أن العزوف عن الترشح مرتبط جزئيًا بالاستحالة العملية لإدارة الحملات الانتخابية في ظل الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكلفة النشاط السياسي.
وبالتالي، يصبح العزوف عن الترشح مؤشرًا على فقدان الثقة ليس فقط بين المواطنين، بل بين النخبة السياسية نفسها، ما يهدد العملية الديمقراطية اللبنانية بالشلل قبل أن تبدأ.
استنتاجات وتوصيات
الواقع اللبناني اليوم يعكس أزمة سياسية ودستورية حقيقية، تتجاوز مجرد الإحصاءات المتدنية لطلبات الترشح. العزوف التاريخي عن الترشح يعكس فقدان الثقة بالطبقة السياسية، تعقيدات قانونية ومصرفية، وتوترات أمنية وإقليمية مستمرة.
إذا استمرت هذه المؤشرات، فقد تؤدي الانتخابات المقبلة إلى فراغ دستوري، أو إلى برلمان يفتقر للشرعية التمثيلية، ما يفاقم الأزمة السياسية ويعقد مستقبل الحكم في لبنان. لذلك، يوصي خبراء بأن:
1. يجب العمل على تعزيز الثقة بين المواطنين والنخبة السياسية من خلال ضمان شفافية العملية الانتخابية ومواجهة أي عراقيل قانونية أو مصرفية.
2. معالجة ملف السلاح بشكل سريع وحازم لضمان بيئة آمنة لإجراء الانتخابات.
3. تبني آليات دولية أو أممية لدعم استكمال العملية الديمقراطية في حال استمرار الانقسام الداخلي، بما يحافظ على شرعية البرلمان.
4. ضمان إشراك المغتربين وفتح كافة السبل القانونية أمامهم للترشح والمشاركة الانتخابية.
5. العمل على الحد من تأثير التوترات الإقليمية على العملية السياسية من خلال تعزيز التنسيق الأمني والدبلوماسي مع الشركاء الدوليين.
يبقى لبنان اليوم عند مفترق حاسم: إما تجاوز الأزمة بانتخابات نزيهة وذات تمثيل فعلي، أو الدخول في مرحلة فراغ دستوري يعقد المستقبل السياسي والاقتصادي للبلاد. العزوف عن الترشح ليس مجرد أزمة رقمية، بل صرخة تحذيرية تتطلب حلولًا عاجلة وإجراءات عملية لضمان استمرار الديمقراطية اللبنانية.








