أدلى هاكابى بتصريحات فى مقابلة مع تاكر كارلسون تحدث فيها عن «حق توراتى» لإسرائيل فى السيطرة على أراضٍ واسعة تمتد «من نهر مصر إلى الفرات»، قائلاً إنه «لا بأس» إذا سيطرت إسرائيل على تلك المساحات، بما يشمل أراضى دول عربية ومن بينها مصر.
الخارجية المصرية ردّت سريعاً ببيان وصفت فيه هذه التصريحات بأنها «خروج صارخ على مبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة»، وأكدت أن إسرائيل «لا تمتلك أى سيادة» على الأراضى الفلسطينية المحتلة أو أى أراضٍ عربية أخرى، رافضة أى محاولة لتبرير أطماع توسعية على أسس دينية أو تاريخية.
هذا الموقف الرسمى الحاد شكّل مرجعية وخطاً عاماً تحركت فى إطاره ردود فعل القوى السياسية والحزبية داخل مصر، التى ترى عادة أن قضايا السيادة الوطنية وفلسطين ملفات فوق الخلافات الداخلية.
موقف الأحزاب الموالية والقوى البرلمانية
الأحزاب الداعمة للحكومة، وعلى رأسها الأحزاب صاحبة التمثيل الأكبر فى مجلس النواب ومجلس الشيوخ، تُجمع عادة فى مثل هذه الأزمات على تأييد الموقف الرسمى للدولة، وتقديمه بوصفه دفاعاً عن الأمن القومى المصرى والعربى.
فى ضوء لهجة بيان الخارجية، يمكن القول إن الخطاب المتوقَّع لهذه الأحزاب يدور حول: تأكيد رفض أى مساس بالحدود المصرية أو بسيادة الدولة، دعم موقف الخارجية فى وصف التصريحات بأنها انتهاك صارخ للقانون الدولى، والتشديد على أن أمن مصر من أمن فلسطين والمنطقة.
غالباً ما تبادر هيئات مكاتب هذه الأحزاب أو هيئاتها البرلمانية إلى إصدار بيانات تضامن مع الموقف الرسمى، مع دعوة المجتمع الدولى لتحمل مسؤولياته تجاه محاولات شرعنة التوسع الإسرائيلى، والتأكيد على التمسك بحل الدولتين وحقوق الشعب الفلسطينى المشروعة.
الأحزاب المعارضة والقومية واليسارية
على الجانب الآخر، اعتادت الأحزاب ذات المرجعية القومية واليسارية – وأيضاً بعض أحزاب المعارضة المدنية – أن تتخذ نبرة أشد حدة حين يتعلق الأمر بفلسطين والتطبيع والتوسع الإسرائيلى.
فى ظل طبيعة تصريحات هاكابى، من المرجح أن يكون خطاب هذه الأحزاب مركزاً على النقاط الآتية: اعتبار كلام السفير الأمريكى امتداداً لسياسات استعمارية تقوم على استباحة أراضى الغير، تحميل الإدارة الأمريكية مسؤولية سياسية وأخلاقية عن خطاب ممثليها، والمطالبة بخطوات عملية تتجاوز حدود الاستنكار الدبلوماسى.
تاريخياً، تدعو هذه القوى إلى تعزيز أوراق الضغط المصرية والعربية، بما فى ذلك: إعادة تقييم أشكال التعاون مع واشنطن وتل أبيب، وإعادة إحياء أدوات المقاطعة، وإسناد المقاومة الفلسطينية سياسياً وقانونياً فى المحافل الدولية.
كما تميل هذه الأحزاب إلى المطالبة بتعبئة جماهيرية أوسع داخل الشارع المصرى دعماً لفلسطين، والتحذير من مخاطر ترك مثل هذه التصريحات تمر دون ثمن سياسى واضح، لما تحمله من رسائل سلبية للرأى العام العربى والإسلامى.
موقع الأحزاب الإسلامية والمحافظة
بالنظر إلى أن تصريحات هاكابى تستند إلى قراءة دينية متطرفة للنصوص التوراتية، فإن الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية والمحافظة تجد فى هذه الأزمة فرصة لتأكيد خطابها الرافض لدمج الدين فى تبرير الاحتلال والعدوان
الخطاب المتوقع هنا يقوم على محورين: الأول، التذكير بأن القدس وفلسطين قضية مركزية للأمة الإسلامية، وأن أى استدعاء لنصوص دينية لتبرير السيطرة على أراضى دول أخرى يفتح الباب لـ«حروب دينية» مرفوضة.
والثانى، تحميل الولايات المتحدة مسؤولية كبح جماح ممثليها ومنعهم من استخدام لغة تُذكى مشاعر الكراهية وتؤجج الصراع فى المنطقة.
فى هذا الإطار، تميل هذه الأحزاب إلى المطالبة بتحرك إسلامى جماعى – على مستوى منظمة التعاون الإسلامى والعواصم الكبرى – لمواجهة خطابات «الحق التوراتى» وطرح سردية مضادة تقوم على العدالة وحقوق الشعوب وتقرير المصير.
تأثير الأزمة على المشهد الحزبى الداخلى
قضية تصريحات هاكابى من النوع الذى يعيد ترتيب الأولويات على الساحة الحزبية المصرية، حيث تتراجع الخلافات الداخلية لصالح توافق واسع على خطوط حمراء تتعلق بالسيادة الوطنية والحدود وملف فلسطين.
فى مثل هذه اللحظات، تميل الأحزاب الموالية والمعارضة على السواء للتأكيد على أن مصر لا يمكن أن تقبل بأى خطاب يمس أراضيها أو يدعم ضم الأراضى الفلسطينية والعربية، مع التلويح بأن الصمت الدولى عن مثل هذه التصريحات يفتح الباب أمام مزيد من التوتر فى المنطقة.
كما تفتح الأزمة نقاشاً داخل الأوساط الحزبية حول جدوى الرهان على الدور الأمريكى فى رعاية عملية السلام من الأساس، فى ظل اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمى لواشنطن وممارسات بعض ممثليها على الأرض، الأمر الذى قد يدفع قطاعات من القوى السياسية إلى المطالبة بتعزيز البدائل الدولية والإقليمية لرعاية أى مسار تفاوضى مستقبلى.
فى المحصلة، تُجمع التيارات الحزبية المصرية – رغم اختلاف مواقعها على الخريطة السياسية – على أن تصريحات السفير الأمريكى تمثل تجاوزاً خطيراً لا يمكن قبوله، وأن الرد لا يجب أن يقتصر على بيان إدانة، بل أن يتحول إلى ورقة ضغط دبلوماسية وسياسية للحفاظ على حقوق الشعب الفلسطينى، وحماية الحدود والسيادة المصرية والعربية من أى محاولات لإعادة ترسيمها بخطاب دينى متطرف.










