بين التحالف والتنافس: كيف تحوّلت الشراكة الخليجية إلى صراع استراتيجي يهدد استقرار المنطقة ويعقّد مسار التطبيع مع إسرائيل
أبوظبي- المنشر الإخبارى
في لحظة تاريخية حاسمة للشرق الأوسط، نشرت مؤسسة إسرائيلية بارزة — معهد دراسات الأمن القومي — دراسة تنقل صورة مختلفة تمامًا عن العلاقات الخليجية، خصوصًا بين قوتين عربيتين مركزيتين: السعودية والإمارات.
الدراسة، التي وضعها الباحث الإسرائيلي يوئيل غوزانسكي، لا تقدم قراءة دبلوماسية معتادة، بل تكشف عن صدع عميق في العلاقات بين الرياض وأبوظبي لا يستوعبه الخطاب الرسمي في الخليج ولا تغطيه البيانات المشتركة عن الشراكات والتحالفات.
في هذه النسخة ــ التي تعتمد على قراءة نقدية حادة لما كشفته الدراسة ــ سنواجه الحقيقة بلا تزيين، ونضع التساؤلات الكبرى على الطاولة:
هل انتهت الشراكة السعودية–الإماراتية؟
هل المنافسة بينهما باتت تهدد تطبيع العلاقات مع إسرائيل؟
وهل الخليج الذي نعرفه يتفكك أمام عيوننا؟
الخليج ليس كتلة واحدة — وهم الوحدة الخليجية
الوهم الاستراتيجي
لطالما رُوِّج للخليج كجبهة موحّدة متجانسة في السياسة الإقليمية. لكن الواقع الذي ترصده الدراسة الإسرائيلية يقول غير ذلك بشكل صريح: الخليج ليس كتلة واحدة، بل هو مجموعة دول تتباين في مواردها، رؤاها، وتوجهاتها الاستراتيجية.
السعودية، مع اقتصادها الضخم وتاريخها السياسي العريق، ترى في نفسها قائد المنطقة لا مناص.
الإمارات، رغم صغر حجمها السكاني، بنت قوة اقتصادية واستثمارية عالمية لا يمكن تجاهلها.
لكن الصدع الحقيقي يكمن في اختلاف رؤيتهما للتهديدات والاستراتيجيات الخارجية، وهو ما بدأ يظهر بشكل متسارع في الساحات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة.
شراكة تبدو سطحية
الظاهر في العلاقات بين السعودية والإمارات كان دائمًا شراكة استراتيجية، خصوصًا منذ ربيع 2011 وممارسات التنسيق في ملفات اليمن، ليبيا، والسودان.
لكن تسجيل المسافات بين الأقوال على الورق وبين الواقع على الأرض يكشف بوضوح أن هذه الشراكة كانت في كثير من الأحيان استغلالًا تكتيكيًا للمصالح المؤقتة، وليست تحالفًا مدعومًا برؤية مشتركة طويلة الأمد.
فالخلافات التي ظهرت في أكثر من ساحة، وبطرق لا يمكن إخفاؤها، تؤكد أن الشراكة في الخليج استُغلّت كستار فوق طبقة من المنافسة المحتدمة.
المنافسة ليست خافية — الصراع على الزعامة والنفوذ
النفوذ الاقتصادي مقابل النفوذ السياسي
الدراسة الإسرائيلية تشير إلى أن التنافس بين السعودية والإمارات لم يعد محصورًا في الملفات السياسية، بل امتد إلى المجال الاقتصادي والاستراتيجي.
الإمارات، بقيادة دبي وأبوظبي، بنت شبكة اقتصادية متكاملة قادرة على اجتذاب الشركات العالمية، الاستثمار في التقنيات الحديثة، وصياغة مصفوفات تجارية معقدة تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا بأمريكا.
السعودية من جانبها لم تكتفِ بدورها التقليدي كمنتج للنفط، بل أطلقت رؤية 2030 التي تقضي بتحويل المملكة إلى قوة اقتصادية عالمية، بل إلى مركز مالي وتجاري بديل عن دبي ومنافستها.
هذا الصراع الاقتصادي تحول إلى سباق مفتوح للسيطرة على قواعد النفوذ في المنطقة، ما يعكس تنافسًا ليس على المصالح فحسب، بل على من يملك مفتاح السيطرة على مستقبل اقتصاد الشرق الأوسط.
اختلاف الرؤى في التعامل مع القوى الإقليمية
لا شيء يعكس عمق المنافسة بين الرياض وأبوظبي أكثر من اختلافهما في التعامل مع القوى الإقليمية الكبرى:
• الإمارات اعتمدت نهجًا صارمًا في مواجهة جماعة الإخوان المسلمين، واعتبرتها تهديدًا للأمن الإقليمي، وهو ما دفعها لدعم قوى محلية في اليمن والبحر الأحمر بخلاف السياسات السعودية.
• السعودية، وبإدراكها لوضعها الإقليمي، لم تغلق الباب كليًا أمام أي تيار سياسي في حال كان ذلك يخدم مصالحها الأمنية، حتى لو كان ذلك يعني العمل مع قوى كانت منبوذة في السابق.
هذا الاختلاف في النهج ليس تفصيلًا بسيطًا، بل يعكس اختلافًا جذريًا في فهم التهديدات والاستراتيجيات السياسية.
ساحات النزاع — من اليمن إلى السودان ومن هناك إلى البحر الأحمر
اليمن: أول اختبار حقيقي للتنافس
في اليمن، بدأ التحالف السعودي–الإماراتي بشكل مشترك ضد الحوثيين المدعومين من طهران. لكنه لم يستمر كتحالف موحّد بعد أن ظهرت أولويات مختلفة بين الطرفين:
• السعودية دعت إلى استعادة السيطرة المركزية على اليمن، في محاولة لاحتواء النفوذ الإيراني.
• الإمارات ركّزت على دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، بهدف السيطرة على الموانئ الاستراتيجية وتحقيق نفوذ اقتصادي في جنوب اليمن.
هذا الخلاف العملي في اليمن كان أول مؤشر واضح على أن الدولتين لا تتفقان على شكل الهيمنة الإقليمية التي يسعيان إليها.
السودان: سوق جديد للمواجهة غير المباشرة
التنافس لم يتوقف عند حدود شبه الجزيرة العربية، بل امتد إلى السودان، حيث وقفت السعودية بجانب القائد العسكري البرهان، بينما دعمت الإمارات قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي.
وهنا لم يكن الأمر سياسيًا داخليًا فحسب، بل ساحة مفتوحة للتنافس على البحر الأحمر، التجارة، والتحكم في مفاصل حيوية من المنطقة.
قطر: من العداوة إلى التقارب الذي أزعج الإمارات
الأزمة الخليجية في 2017 كشفت تباينًا آخر في الاستراتيجيات:
• السعودية سعت مع مرور الوقت إلى تهدئة الخلاف واستعادة العلاقات مع قطر في إطار سياسة التخفيف من التصعيد الإقليمي.
• الإمارات لم تكن راغبة في تسريع التقارب، خشية فقدان مكانتها في التأثير على السياسات الخليجية.
هذا التباين في التعامل مع الدوحة كشف بوضوح أن هناك اختلافًا حقيقيًا في فهم الأولويات والأهداف الاستراتيجية.
أرض الصومال: النفوذ الاقتصادي المزمع
في أرض الصومال، لعب الاستثمار في الموانئ دورًا محوريًا في صراع النفوذ:
• الإمارات بسطت سيطرتها على الموانئ، مستغلة شبكة التجارة العالمية.
• السعودية رأتها تهديدًا لاستثماراتها في البحر الأحمر، مما أضاف بُعدًا اقتصاديًا جديدًا للتنافس.
وهنا ليست القضية فقط موانئ أو تجارة، بل من يتحكم في شبكات التصدير والهندسة الاقتصادية المستقبلية للمنطقة.
التوتر بين القادة — حين يصبح الخلاف شخصيًا
بن سلمان وبن زايد: صراع بين رؤية وحلم
لطالما تم تقديم العلاقة السعودية–الإماراتية في الإعلام كعلاقة أخوية وثيقة. لكن الواقع العملي يكشف عن صراع بين شخصين:
• محمد بن سلمان، الذي يرى السعودية بصفتها قوة إقليمية مركزية قادرة على إعادة تشكيل النظام في المنطقة عبر رؤية 2030 والتحالفات الجديدة.
• محمد بن زايد، الذي بنى دولة ذات قوة اقتصادية ضخمة ورؤية استراتيجية مستقلة، لا تقبل أن تكون مجرد تابع في أي محور.
الصراع بين الرجلين لم يعد مجرد اختلاف في السياسات، بل اختلاف في الرؤى للهيمنة الإقليمية وفي فهم مَن يجب أن يقود المشهد العربي في المستقبل.
اختلاف في التعامل مع الإسلام السياسي
كان الخلاف واضحًا أيضًا في السياسات تجاه الحركات الإسلامية:
• الإمارات تتبنى موقفًا صارمًا من جماعة الإخوان المسلمين وتعتبرها تهديدًا أمنيًا مباشرًا.
• السعودية، رغم تحفظها التقليدي، لم تغلق الباب كليًا للتعامل العملي مع بعض الحركات أو القوى عندما يخدم ذلك مصالحها.
هذا التباين يعكس اختلافًا في فهم الاستقرار السياسي، مما يضع رؤيتين مختلفتين لمستقبل المنطقة.
المنافسة الاقتصادية — سباق السيطرة على النظام الإقليمي
التنافس على المركز التجاري
كانت دبي بمثابة المركز التجاري العالمي في المنطقة لعقود. لكن السعودية دخلت المنافسة بقوة من خلال:
• دعوة الشركات العالمية لفتح مقرات في الرياض.
• تطوير البنية التحتية للسياحة والاستثمار.
• سياسات جريئة لفتح الاقتصاد وجذب رأس المال الدولي.
الإمارات، من جهتها، لم تقف مكتوفة الأيدي، بل وسّعت من نفوذها في الأسواق العالمية، واستثمرت في قطاعات التكنولوجيا، التجارة، الخدمات، والنقل.
هذه المنافسة ليست مجرد سباق اقتصادي، بل صراع على من يتمكن من هيكلة الاقتصاد الإقليمي وفق رؤيته الخاصة.
الذكاء الاصطناعي والطاقة المستقبلية
في العقد الأخير، باتت تقنيات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتقدمة محور اهتمام كلا الدولتين. لكن:
• السعودية تستثمر بأموال هائلة في بناء منظومة اقتصادية مستقبلية.
• الإمارات تستثمر في قاعدة صناعية وتجارية مرنة تستطيع المنافسة عالميًا.
هذا يضع كل دولة في مواجهة مباشرة مع الأخرى على أرض التنافس التكنولوجي والاقتصادي المتقدم.
ماذا عن التطبيع مع إسرائيل؟
الرؤية الإسرائيلية: تنافس خليجي يعرقل اتحادًا إستراتيجيًا
من منظور الدراسة الإسرائيلية، المنافسة السعودية–الإماراتية تمثل عقبة كبرى أمام محاولات بناء جبهة عربية موحدة تشمل إسرائيل في مواجهة النفوذ الإيراني وغيرها من التحديات.
إسرائيل ترى أن:
• أي انحياز إسرائيلي يُفسّر على أنه ميل نحو الإمارات يمكن أن يُبعد السعودية عن مسار التطبيع.
• على العكس، التعاون معها يمكن أن يُستخدم كأداة ضغط على الرياض في صراعاتها الإقليمية.
وهنا تكمن المفارقة: إسرائيل تسعى للتطبيع، لكنها في الوقت نفسه تعتمد على تحليل خلايا التنافس الخليجي لتحديد من يمكن أن يكون شريكًا موثوقًا.
التطبيع وصراع النفوذ الخليجي
التنافس بين الرياض وأبوظبي جعل التطبيع موضوعًا مُعقّدًا للغاية:
• الإمارات استطاعت أن تُبرِم اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل بشكل علني (مثل اتفاقيات إبراهام) وتستفيد من التعاون في مجالات التكنولوجيا والأمن.
• السعودية تقف على الحافة، لكنها لا تريد أن تُستخدم كـ”مكافأة” في لعبة النفوذ، ولا تريد أن يكون موقفها تجاه إسرائيل مرهونًا بتوازنات داخلية وخارجية مع الإمارات.










