غراهام في الرياض: زيارة تحمل رسائل نارية لإيران، وقراءة أمريكية جديدة لدور السعودية في صوغ التوازنات الإقليمية القادمة.
الرياض – المنشر الإخباري
قراءة في توقيت حاسم وتفاعلات سياسية متسارعة
في واحد من أكثر الأوقات حساسيةً في السياسة الإقليمية منذ سنوات، وصل السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام إلى العاصمة السعودية الرياض في زيارة رسمية شدّت الأنظار، ليس فقط لأنها ناقشت ملفات ثنائية، بل لأنها حملت رسائل سياسية واستراتيجية موجّهة إلى أطراف إقليمية ودولية عديدة، وعلى رأسها إيران والتحالفات الأمريكية في الشرق الأوسط.
الزيارة لم تكن بروتوكولية، ولم تقتصر على مناقشة العلاقات الثنائية بين واشنطن والرياض. بل جاءت في سياق تحولات معقدة في ملفات أمنية وسياسية واسعة النطاق، تقف عند مفترق طرق سيحدد شكل التحالفات والمعادلات الإقليمية في السنوات المقبلة.
كثيرون في دوائر صنع القرار الأمريكي والغربي ينظرون إلى زيارة غراهام على أنها إعادة ضبط استراتيجي للعلاقات الأمريكية-السعودية، مع إعادة تقييم الدور السعودي في توازنات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وخصوصًا في مواجهة التحديات التي تثيرها السياسات الإيرانية في المنطقة، إضافة إلى التعامل مع أزمات إقليمية مفتوحة مثل اليمن، السودان، والوضع الفلسطيني.
خلفية الزيارة: لماذا الآن؟
لضبط قراءة الزيارة السياسية، لا بد من فهم السياق الذي سبقتها:
- تصاعد التوترات الأمريكية–الإيرانية
السياسات الإيرانية في السنوات الأخيرة اتسمت بتعقيد متزايد، بدءًا من تعزيز النفوذ عبر وكلاء في العراق وسوريا ولبنان، مرورًا بالمواجهة في اليمن، وصولاً إلى استعراض القوة في مضيق هرمز وباب المندب. هذه الديناميكية أثارت قلق واشنطن وحلفائها الخليجيين، ودفعت الولايات المتحدة إلى البحث عن إعادة ترتيب دستوري–استراتيجي للعلاقة مع السعودية.
- الضغط الداخلي الأمريكي حول السياسة الخارجية
الولايات المتحدة، منذ إدارة الرئيس دونالد ترامب، تتبنى مبدأ “الضغط المزدوج”: استخدام أدوات دبلوماسية مفتوحة، وفي الوقت ذاته الاحتفاظ بخيارات الردع العلنيّة ضد أي تحول يهدد مصالحها. في هذا الإطار، تصبح زيارة غراهام — باعتباره عضواً مؤثرًا في مجلس الشيوخ الأمريكي — رسالة داخلية أمريكية مزدوجة:
أ. توجيه موقف واضح للحلفاء الإقليميين حول التزام واشنطن بأمنهم.
ب. إعلان أن واشنطن ما زالت القوة التقليدية الفاعلة في الشرق الأوسط، وأنها لن تتراجع عن مصالحها الاستراتيجية.
- ضرورة توحيد المواقف الخليجية لمواجهة التحديات
في ظل الخلافات الخليجية الداخلية والمنافسات الإقليمية المتزايدة، باتت الحاجة إلى وحدة المواقف بين حلفاء واشنطن أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، خصوصًا مع تراجع الدور الأمريكي المباشر في بعض الملفات، وصعود قوى إقليمية أخرى مثل تركيا وروسيا والصين.
اللقاء بين غراهام ومحمد بن سلمان: قراءة في الرسائل السياسية
في اللقاء الذي جمع السيناتور ليندسي غراهام بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، تم التطرق إلى ملفات متعددة، لكنها جميعها تحمل رموزًا سياسية رئيسية مرتبطة بتوازنات السلطة والاستقرار الإقليمي.
أ. رسالة إعادة التأكيد على التحالف الاستراتيجي
الرسالة الأولى التي أرادها الجانب الأمريكي واضحة:
“السعودية لا تزال شريكًا استراتيجيًا رئيسيًا لواشنطن، ولا يمكن لأي توازن استراتيجي في الشرق الأوسط أن يُصاغ دون مشاركتها الفاعلة.”
في هذه الرسالة نبرة سياسية واضحة، مفادها أن الإدارة الأمريكية ترى أن أي تراجع في الدور السعودي في ملفات الأمن والطاقة والسياسة الدولية قد يؤدي إلى فراغ استراتيجي تُستغَل قوى إقليمية أخرى لصالحها، بما يتناقض مع مصالح واشنطن وحلفائها التقليديين.
ب. تحذير صريح لإيران ومناوراتها الإقليمية
كان لافتًا في اللقاء التأكيد على أن السياسات الإيرانية، وتوسّعها في المنطقة، تشكّل تهديدًا مباشرًا لأمن الخليج. لم يقف الخطاب عند حدود التحذير الدبلوماسي، بل تجاوز ذلك إلى إشارات واضحة إلى أن الولايات المتحدة لن تتردد في اتخاذ إجراءات استباقية إذا تجاوزت طهران الخطوط الحمراء، خصوصًا في اليمن، العراق، سوريا، ولبنان.
هذا التحذير لا يستهدف إيران فحسب، بل يحمل إشارات قوية إلى الحلفاء بأن واشنطن تعمل على إعادة تشكيل استراتيجيتها في المنطقة بما يتماشى مع واقع سياسي جديد، لا مكان فيه لأي قوة تتجاوز مصالح الحلفاء التقليديين.
ج. توظيف الملفات الإقليمية كأدوات ضغط سياسي
المباحثات شملت ملفات اليمن، السودان، والوضع الفلسطيني، لكن ما يميّزها ليس فقط البعد الأمني، بل كيف يتم توظيف هذه الملفات في السياسة الأمريكية كأدوات ضغط لإعادة صياغة التحالفات:
اليمن – من معركة مفتوحة إلى بوابة لضبط النفوذ الإقليمي
ناقش الطرفان ضرورة استمرار المساعي نحو حل سياسي شامل في اليمن، وإيجاد تنسيق أكبر بين واشنطن والرياض لوقف التصعيد. لكن ما يلفت النظر هو التحوّط الأمريكي من بقاء اليمن أرضًا مفتوحة لمحور إيراني–حوثي بلا حدود، الأمر الذي يمكن أن يُستخدم لاحقًا كورقة ضغط سياسي لإعادة رسم توازنات النفوذ في المنطقة.
السودان – اختبار للتنسيق الإقليمي
الحديث عن السودان لم يقتصر على كونه ظرفًا إنسانيًا أو سياسياً منفرداً، بل أصبح مؤشرًا لمدى إمكانية تنسيق جهود عربية–أمريكية في التعامل مع الأزمات متعددة الأبعاد، سواء في تحقيق الاستقرار، أو في مواجهة أي استغلال إقليمي لمراكز القوة هناك.
القضية الفلسطينية – قناة التوازن السياسي
القضية الفلسطينية ظهرت في الخطاب كـ شريان مركزي في الاستقرار الإقليمي، وتم التأكيد على أن حلاً عادلاً وشاملاً لها يمكن أن يكون أداة ضغط هامة على الفاعلين الإقليميين الآخرين. هذه القراءة تشير إلى أن واشنطن تدرك أن تجاهل هذا الملف لا يصب في مصلحة أي استقرار طويل الأمد في الشرق الأوسط.
د. إعادة ضبط المنطق السياسي للعلاقة مع الرياض
التقارب الأمريكي في هذه الزيارة لا يعني تراجعًا في الضغط؛ بل على العكس، فهو إعادة ضبط للعلاقة السياسية بحيث لا تُبنى على الولاءات التقليدية وحدها، وإنما على تبادل مصالح إستراتيجية واضحة المعالم. يمكن قراءة هذا التبدّل في رسالة مفادها:
“التحالف بين واشنطن والرياض ليس قائمًا على الولاءات التقليدية فقط، بل على مصالح واضحة ومشتركة في التصدي لأي تهديد إقليمي، وتأمين استقرار طويل الأمد.”
وقد عزز هذا التوجه تحليل سياسي واضح: أن أمريكا لا تبحث عن حليف تابع، بل عن شريك استراتيجي ناضج قادر على اتخاذ قرارات مستقلة لكن ضمن منظومة مصالح مشتركة.
الرسائل السياسية الكبرى للزيارة
- واشنطن تعيد قراءة الدوري الاستراتيجي في الشرق الأوسط
الزيارة تعكس ما يمكن تسميته في السياسة الخارجية الأمريكية بـ “إعادة قراءة دوريّة للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط”. هذه القراءة الجديدة تقوم على عدة ركائز:
• إدراك أن السياسات التقليدية لم تعد كافية لضمان الاستقرار.
• استبدال مفهوم الحلف المقاوم للنفوذ الإيراني بنموذج شراكات استراتيجية متوازنة.
• السعي إلى تقليص الأدوار العسكرية المباشرة وتوسيع أدوار إدارة التحالفات السياسية والاقتصادية.
هذا التوجه يضع السعودية كمحور تحالف رئيسي، لكنه ليس محصورًا في البعد الدفاعي فقط، بل يمتد إلى النفوذ السياسي والتنسيق الاستراتيجي.
- التحذير لخصوم واشنطن في المنطقة
الزيارة لم ترسل رسائل فقط إلى الرياض، بل إلى خصوم محتملين كذلك، وعلى رأسهم إيران. الرسائل السياسية كانت واضحة على مستويات عدة:
• حدود التحمل الأمريكية: أي تجاوز إقليمي يُعدّ تهديدًا للمصالح الأمريكية أو الاستقرار في الخليج لن يبقى بدون رد.
• التنسيق الثنائي مع الرياض: القدرة على اتخاذ إجراءات مشتركة في حال تطوّرات مفاجئة.
• مراقبة النفوذ الإقليمي: تحجيم قدرات أي قوة إقليمية، سواء في العراق أو سوريا أو اليمن، تعمل بصورة تتعارض مع المصالح المشتركة.
- الرياض بوابة النفوذ الأمريكي… بشروط جديدة
واشنطن باتت ترى في الرياض بوابة رئيسية لفرض توازنات جديدة في المعادلات الإقليمية، لكن بشرط أن تكون الشراكة قائمة على استراتيجية واضحة ومحددة، تعكس:
• مصالح سياسية مشتركة
• قدرات دفاعية مشتركة
• توافقًا في الرؤى تجاه السياسات الإقليمية الكبرى
السعودية لم تُطلب منها الولاء الأعمى، بل التعاون المبني على فهم مشترك لمصالح الأمن القومي والسيادة الإقليمية.
- ترتيب الأولويات: من المواجهة إلى التهديد وإدارة الأزمات
السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط كانت تاريخيًا تقوم على مبدأ المواجهة المباشرة أحيانًا، أو التحالف المباشر أحيانًا أخرى. لكن ما بدا واضحًا خلال زيارة غراهام هو تفادي المواجهة المباشرة، والتركيز بدلاً من ذلك على:
• إدارة الأزمات
• خلق توازنات سياسية
• حماية المصالح الأمريكية من خلال التحالفات بدلاً من التدخل المباشر
هذه المقاربة تؤكد أن واشنطن تبحث عن استدامة استراتيجيتها في المنطقة, وليس فقط عن تحولات عابرة أو حلول مؤقتة.
رسائل سياسية واستراتيجية لكل ملف
اليمن: معركة النفوذ والتحولات السياسية
اليمن مثل دائمًا ساحة للتنافس الإقليمي، لكن ما اكُتب في زيارة غراهام كان يتجاوز “الحل الإنساني والسياسي” إلى قراءة جديدة لطبيعة النفوذ الإيراني واحتمالات تطويره أو تقييده. الرسائل السياسية هنا تضمنت:
• التأكيد على أن أي تصعيد يهدد حدود السعودية الجنوبية هو تهديد للمصالح الأمريكية.
• الربط بين تطورات اليمن وضرورة تنسيق إقليمي أمريكي فعال.
• أن الحل السياسي وحده لا يكفي، بل يتعين أن يكون الحل مصحوبًا بإدارة نفوذ إقليمية قوية ومتناسقة.
هذه المقاربة تحمل رسالة واضحة: واشنطن لن تدع اليمن يصبح ساحة مفتوحة للنفوذ الإيراني دون حساب سياسي واضح.
السودان: اختبار لتماسك التحالفات
السودان، كساحة توتر سياسي داخلي، أصبح مؤشرًا لمدى قدرة التحالف الأمريكي–السعودي على:
• دعم الاستقرار السياسي مؤسسيًا
• احتواء التدفقات الأمنية التي قد تؤثر على المنطقة
• خلق توازنات سياسية بحذر دون الانجراف نحو صراع مفتوح
السياسة هنا ليست إنسانية فقط، بل سياسية وتحليلية واستراتيجية.
القضية الفلسطينية: الضغط من بوابة الاستقرار الإقليمي
القضية الفلسطينية لم تُطرح كخيار دبلوماسي منفصل، بل كـ أداة سياسية واستراتيجية، حيث يمكن لتقدم في معالجتها أن:
• يهدئ التوترات الإقليمية
• يعزز الثقة في التحالفات
• يخلق مجالاً أوسع للحلول السياسية
الرسائل هنا تؤكد أن السياسة الأمريكية لن تتجاهل هذا الملف إذا ما أرادت استقرارًا بعيد المدى.
الإرهاب والتحول في آليات المواجهة
ناقش الطرفان مكافحة الإرهاب، لكن في سياق جديد مختلف عن السنوات الماضية. المحور هذه المرة هو:
• كيف يُستخدم التنسيق الاستخباراتي والسياسي كأداة ضغط
• كيف يتم تجاوز المواجهة العسكرية التقليدية
• كيف تُدار شبكات التهديدات من خلال شراكات اقليمية
هذه القراءة تحمل في طياتها تحولًا في آليات المواجهة، من القوة العسكرية إلى قوة التحالفات السياسية والاستخباراتية.
قراءة في الرسائل السياسية المركّبة للزيارة
رسالة للداخل الأمريكي
الزيارة تحمل رسائل إلى دوائر صنع القرار الأمريكي مفادها أن:
• السياسات التقليدية في الشرق الأوسط بحاجة إلى تحديث
• التحالفات مع الحلفاء الإقليميين تحتاج إلى آليات أفضل
• إدارة الأزمات المتشابكة تتطلب تنسيقًا استراتيجيًا موسّعًا
هذا يضع وزناً سياسياً أكبر لمواقف أعضاء الكونغرس المؤثرين مثل غراهام في توجيه السياسة الخارجية الأمريكية.
رسالة للحلفاء الخليجيين
الرسالة للحلفاء:
“واشنطن ستقف معكم، لكن ضمن قواعد واضحة لمصلحة استراتيجية مشتركة، وليس فقط انحياز تقليدي”.
رسالة لإيران وأنصارها
الرسالة لإيران كانت صريحة أكثر من أي وقت مضى:
“لن يبقى أي تجاوز يهدد الاستقرار دون رد تقوم به الولايات المتحدة وشركاؤها في المنطقة.”
التحالف الأمريكي السعودي في مرحلة سياسية جديدة
زيارة ليندسي غراهام إلى السعودية تمثل أكثر من مجرد نشاط دبلوماسي عابر؛ إنها فصل جديد في التحالفات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، يقدم نموذجًا جديدًا في الإدارة السياسية للأزمات، وفي تحريك التحالفات بعيدًا عن المواجهة العنيفة، وقربًا من التنسيق والتحالف السياسي المتوازن.
السياسة الأمريكية تتجه نحو شراكات استراتيجية أكثر نضجًا، تعتمد على مصالح واضحة، قدرة دفاعية مشتركة، وفهم متبادل للاختلافات دون أن تصل إلى الانقسامات، في محاولة لتحقيق توازنات إقليمية جديدة غير مسبوقة.
السعودية، في قلب هذه التحولات، لم تعد مجرد حليف تقليدي، بل أصبحت شريكًا استراتيجيًا قادرًا على التأثير في موازين القوة العالمية، عبر سياسات سياسية متوازنة، تعاون استخباراتي وتحالفات متعددة المستويات، بما يضمن مصالح مشتركة ويحد من مخاطر الصراعات المفتوحة.










