الاستخبارات الغربية تحذر: أوروبا ليست بعيدة عن الرد الإيراني الانتقامي، وخطر استهداف قواعد أمريكية ودبلوماسيين مرتفع
واشنطن – المنشر الإخباري
تستعد القارة الأوروبية لمواجهة ما وصفه خبراء ودبلوماسيون بأنه “سيناريو بالغ الخطورة” مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة و إيران على خلفية الأزمة النووية والتهديدات العسكرية المتبادلة. فبالرغم من المسافة الجغرافية، لم تعد أوروبا مكانًا آمنًا بعيدًا عن تداعيات أي مواجهة عسكرية محتملة، حيث تكشف التحليلات الاستخباراتية عن نشاط خلايا نائمة إيرانية تنتشر في المدن الكبرى الأوروبية، مستعدة للتحرك حال صدور أي أمر من طهران.
مصادر استخباراتية غربية، نقلتها صحيفة نيويورك تايمز، تشير إلى أن طهران بدأت في وضع خطط انتقامية تشمل الهجوم على أهداف أمريكية وإسرائيلية في أوروبا، بما في ذلك السفارات والقواعد العسكرية ومقرات الشركات الكبرى المتحالفة مع واشنطن. وتشير التقارير إلى أن تلك الخلايا لم تبدأ بعد بتنفيذ عمليات محددة، إلا أن “تصاعد الاتصالات بين العناصر النشطة في أوروبا والشرق الأوسط” يشير إلى وجود تنسيق أولي لإعداد شبكات هجومية معقدة.
تهديد انتقامي محتمل: حزب الله والخلايا النائمة
من أبرز السيناريوهات التي تقلق أوروبا استخدام خلايا حزب الله النائمة أو شبكات تابعة لتنظيمات إرهابية مثل القاعدة لتنفيذ هجمات انتقامية. ويشير المسؤولون إلى أن هذه العمليات يمكن أن تستهدف القواعد العسكرية الأمريكية والسفارات والدبلوماسيين، حتى لو كانت طهران تقيم وجودها العسكري بشكل محدود على الأراضي الأوروبية.
وفي تصريح لـ كولين كلارك، المدير التنفيذي لمركز سوفان في نيويورك، قال: “إذا كانت الضربة العسكرية الأمريكية ضد إيران تعتبر تهديدًا وجوديًا للمرشد الأعلى والحرس الثوري، فلا استبعد أن تصدر طهران أوامر مباشرة لتنفيذ هجمات إرهابية انتقامية في الخارج، بما في ذلك أوروبا”.
التاريخ والوقائع تعطي مصداقية للتهديد
ما يزيد من حدة المخاوف هو التاريخ الطويل لتدخلات إيران في أوروبا، سواء من خلال وكلاء محليين أو خلايا نائمة. كشف تقرير حديث لمركز ألما للأبحاث عن اعتماد الوحدة 11000 التابعة للحرس الثوري الإيراني على أسلوب “أطلق وانسَ”، حيث تقوم بتجنيد مرتزقة ومجرمين محليين لتنفيذ عمليات دون علمهم بهوية من يقف خلفهم، وهو أسلوب يزيد من صعوبة تعقب العمليات ومنعها.
ومن بين الوقائع التي كشفت عنها التقارير السابقة:
• مخطط اغتيال السفيرة الإسرائيلية في المكسيك.
• عمليات رصد أماكن عبادة يهودية في برلين.
• التعاون مع جماعات الجريمة المنظمة في أوروبا، بما في ذلك عصابة فوكستروت في السويد.
كما حذر عضو البرلمان الإيراني أمير حيات مقدم من أن أي هجوم أمريكي على إيران سيواجه برد “ساحق”، مع إمكانية استهداف قواعد أمريكية وأصول بحرية في المنطقة.
التحركات الغربية: الرصد والمراقبة
ردًا على هذه التهديدات، كثفت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والغربية من مراقبة تحركات الخلايا النائمة في القارة الأوروبية، بما يشمل تتبع الاتصالات المشبوهة ومراقبة المشتبه فيهم من جماعات إجرامية مرتبطة بالخارج. وتؤكد المصادر أن هناك تحذيرات متواصلة للدول الأوروبية لرفع مستوى الجاهزية الأمنية حول السفارات الأمريكية والإسرائيلية، بالإضافة إلى البنية التحتية الحيوية والشركات الكبرى.
وأكد مسؤول أوروبي رفيع المستوى: “لا يمكن اعتبار أوروبا بعيدة عن تبعات أي صراع محتمل بين واشنطن وطهران. يجب أن نكون مستعدين لأي رد انتقامي قد يمتد إلى أراضينا”.
تقييم المخاطر منخفض نسبيًا
على الرغم من هذه التحذيرات، يدعو خبراء دبلوماسيون وأكاديميون إلى قراءة أكثر هدوءًا، معتبرين أن الخطر الفعلي على أوروبا محدود نسبيًا مقارنة بالشرق الأوسط.
كشيشتوف بومينسكي، السفير البولندي السابق لدى السعودية والعراق، صرح لـ “إرم نيوز”: “الأصول الإيرانية في أوروبا محدودة للغاية ولا يمكن أن تُستخدم إلا ضد أهداف أمريكية أو إسرائيلية مباشرة. أي هجوم في القارة لن يتم إلا بعد ضربة أمريكية مباشرة لإيران، والخطر يبقى منخفضًا جدًا”.
آلان حكيم، الوزير اللبناني السابق وعضو المكتب السياسي الكتائبي، أكد هذا الطرح، مشددًا على أن حزب الله يعاني من ضعف كبير بعد المواجهة الأخيرة مع إسرائيل، وأن قدراته العملياتية أصبحت محدودة للغاية مقارنة بالماضي. وأضاف حكيم: “حتى أقصى قوة لحزب الله لم تمكنه من تحقيق أهدافه في الحرب الأخيرة، فما بالنا اليوم في ظل قدراته الحالية؟”.
وشدد حكيم على ضرورة تثبيت الاستقرار الداخلي في لبنان وتحييد البلاد عن الصراعات الإقليمية، مشيرًا إلى خطورة السماح باستخدام الأراضي اللبنانية منصة للهجمات أو التحركات الإيرانية ضد دول أخرى.
أوروبا بين التوتر والتحفظ
وسط هذا التوتر، تتجه الأنظار نحو جنيف حيث من المقرر عقد جولة جديدة من المفاوضات الأمريكية-الإيرانية لمحاولة تفادي الخيار العسكري. وتشير المعلومات إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يميل إلى تنفيذ ضربة محدودة تستهدف منشآت الحرس الثوري والبرنامج الصاروخي الإيراني، وهو ما يزيد من حالة الترقب الأوروبي.
وبالرغم من ذلك، يرى الخبراء أن أوروبا لا تزال في موقع الحذر الاستراتيجي، حيث يمكن أن تتحول إلى ساحة محتملة لتداعيات الصراع، حتى وإن لم تشعل القارة الشرارة بنفسها.
أوروبا في قلب المعادلة
تؤكد التحليلات أن أوروبا اليوم ليست مجرد مراقب بعيد عن المواجهات الأمريكية-الإيرانية، بل طرف محتمل في الرد الإيراني الانتقامي، مع وجود خلايا نائمة مستعدة للتحرك بسرعة، وهو ما يجعل رفع مستوى الجهوزية الأمنية الأوروبية ضرورة قصوى.
تظل القارة الأوروبية على صفيح ساخن، حيث تتقاطع المصالح العسكرية والدبلوماسية والاستخباراتية، وتتزايد المخاطر على المدنيين والأهداف الحيوية، وسط رهانات على نجاح المفاوضات في جنيف لتجنب حرب قد تلتهم الجميع.










