أزمة الخرائط تُشعل التوتر بين الكويت وبغداد : الكويت تتحدى العراق: «سيادتنا البحرية ليست للبيع»
الكويت – المنشر الإخباري
في تطوّر لافت في العلاقات الكويتية–العراقية خلال فبراير 2026، أثارت خطوة العراق بإيداع خرائط بحرية وإحداثيات جديدة لدى الأمم المتحدة توتراً دبلوماسياً وسياسياً مع دولة الكويت الأمر الذي دفع مجلس الوزراء الكويتي ووزارة خارجية الكويت لإصدار بيانات رسمية تطالب بغداد بـ التعامل الجاد والمسؤول وفقاً للقانون الدولي، مع التأكيد على أهمية الاحترام المتبادل للسيادة الوطنية والحفاظ على العلاقات التاريخية بين الشعبين الشقيقين.
هذه الأزمة، التي أصبحت تُعرف إعلاميًا بـ “أزمة الخرائط البحرية”، تحمل أبعاداً قانونية، سياسية، وإقليمية تتخطى حدود النزاع الثنائي، لتصبح مادة جدل دبلوماسي في الخليج كله وموضوع متابعة دولية تتعلق بكيفية تطبيق اتفاقيات القانون الدولي للبحار.
خلفية النزاع: ما الذي فعله العراق؟
في يناير وفبراير 2026، قامت الحكومة العراقية بإيداع قائمة إحداثيات وخريطة بحرية جديدة لدى الأمم المتحدة تمثل ما تعتبره أراضيها البحرية والسيادية في الخليج العربي، بحسب ما أوردت تقارير صحفية عراقية ودولية.
وتشمل هذه الخرائط مناطق بحرية تمتد إلى حدود بحرية مشتركة مع الكويت، من بينها مناطق كان يُعتقد أنها خاضعة بشكل كامل للسيادة الكويتية، مثل فشت القيد و فشت العيج، وهما موقعان بحريان ثابتان في الخليج.
وفقًا لبيان صادر عن وزارة الخارجية العراقية، فإن الخريطة تم إعدادها بناءً على القوانين العراقية والاتفاقيات الدولية، لا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، موضحة أن تحديد مناطق النفوذ البحرية يعد شأنًا سياديًا لكل دولة.
الرد الكويتي: احتجاج رسمي ودعوة للقانون الدولي
على الفور، اعتبرت الكويت هذه الخطوة مساسًا بسيادتها على المناطق البحرية المعنية، وأكدت أن الخرائط المقدمة من بغداد تتضمن مطالب تطال مناطق تتبع السيادة الكويتية، وأن الخطوة لم تتم بالتشاور المسبق بين البلدين، وهو ما اعتبرته الكويت تجاوزًا للدبلوماسية والسلوك المسؤول بين دولتين شقيقتين.
في رد رسمي، استدعت وزارة الخارجية الكويتية القائم بأعمال السفارة العراقية في الكويت، الدكتور زيد عباس شنشول، لتسليمه مذكرة احتجاج رسمية على ما تضمنته هذه الادعاءات، مؤكدًا أن الكويت تتطلع لحل النزاع عبر الحوار والالتزام بالقانون الدولي.
كما دعا مجلس الوزراء الكويتي العراق إلى أخذ العلاقات التاريخية بين البلدين بعين الاعتبار والتعامل مع القضية بجدية ومسؤولية، مشدداً على الاحترام الكامل لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تُشكل الإطار القانوني الأساسي في مثل هذه النزاعات.
الأبعاد القانونية للنزاع
الاتفاقية الدولية لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS) التي صدّقت عليها دول متعددة، بما في ذلك الكويت والعراق، هي المرجع القانوني المعياري لترسيم الحدود البحرية، تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة، الحقوق السيادية في المياه، والتنقيب عن الموارد.
من وجهة نظر الكويت، فإن إيداع العراق للخرائط دون التشاور هو انتهاك لأسس حسن الجوار والاتفاقيات البحرية الثنائية، خصوصاً في المناطق التي لم تُختلف بشأنها سابقًا، مثل فشت القيد وفشت العيج، وهي مناطق كانت دائمًا تُعتبر جزءًا من المياه الكويتية.
في المقابل، تؤكد بغداد أن الخطوة التي قامت بها مرتكزة على القانون الدولي نفسه، وأن الخرائط الجديدة تُهدف إلى توثيق حدودها البحرية بشكل قانوني، مشددة على أن تحديد المناطق البحرية سيادي وغير قابل للتدخل من دول أخرى.
استعادة نزاع “خور عبد الله” القديم
المسألة لا تنفصل بالكامل عن نزاع تاريخي سابق حول خور عبد الله، وهو الممر المائي الذي يربط العراق بالخليج، وقد شهد اتفاقات وتنظيمات ومسارات تفاوض منذ التسعينيات. وتشير تقارير صحفية إلى أن توتر الحدود البحرية هذا أعاد إلى السطح ملفاً معقدًا لم يُحسم بشكل نهائي منذ عقود، بما في ذلك الاعتبارات المتعلقة بالمياه الدولية والحدود البحرية المشتركة.
ردود الفعل الإقليمية والدولية
لم تقتصر الأزمة على الكويت والعراق فقط؛ فقد شهدت تطورات دبلوماسية واسعة في الدول الخليجية:
تضامن خليجي واسع
عدة دول في مجلس التعاون الخليجي عبّرت عن تضامنها الكامل مع موقف الكويت، مؤكدة دعم السيادة الكويتية واحترام القانون الدولي كأساس لحل النزاعات.
قطر أصدرت بيانًا يدعم الكويت ويرفض مطالب العراق التي «تمس السيادة الكويتية»، مشددة على ضرورة الالتزام باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
الإمارات العربية المتحدة أعربت عن قلقها من الإيداع العراقي واعتبرته يتعارض مع مصالح الكويت، وأكدت دعمها الكامل للكويت لحماية حقوقها المائية.
المملكة العربية السعودية رفضت الادعاءات العراقية، خاصة تلك التي تمتد إلى المنطقة المشتركة مع الكويت في الجزء المعروف بـ المنطقة المقسّمة البحرية.
دعوات لحوار دبلوماسي
الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي دعا العراق إلى سحب قائمة الإحداثيات والخرائط من الأمم المتحدة، أو على الأقل مراجعتها، والعودة إلى مائدة الحوار لحل الخلافات بالطرق السلمية وبما يضمن الالتزام بالقانون الدولي وحسن الجوار.
وحتى دول خارج الخليج مثل الأردن أكدت دعمها لكويتها الشقيقة ودعت إلى حل النزاع عبر الحوار والاحترام الكامل للالتزامات الدولية.
مآلات الأزمة وأبعادها المستقبلية
تطرح أزمة الخرائط مجموعة من الأسئلة حول كيفية إدارة الخلافات البحرية بين الدول، خصوصًا حين تكون هناك حدود غير مرسّمة تماماً أو خلافات تاريخية لم يُتفق عليها نهائيًا.
• قد يتطور النزاع ليصبح قضية قانونية أمام محاكم دولية مع تقديم كل طرف حججه القانونية والدولية.
• في حال تصاعد التوتر، فإن ذلك قد يدفع إلى إعادة النظر في الاتفاقيات البحرية الثنائية بين الكويت والعراق، وربما تتطلب جهودًا دبلوماسية جديدة تشمل أطرافًا دولية.
• الأهمية الاقتصادية للمنطقة، وخاصة المياه البحرية التي تشمل موارد نفطية ومناطق صيد، تزيد من حساسية النزاع وتبرز الحاجة إلى حلول دبلوماسية قائمة على الحوار والقانون الدولي.
أزمة الخرائط البحرية بين الكويت والعراق تمثل أكثر من مجرد خلاف فني حول خطوط بحرية؛ إنها اختبار للالتزام بالقانون الدولي، حسن الجوار، واستدامة العلاقات التاريخية بين دولتين شقيقتين.
الكويت أكدت دعوتها للعراق للتعامل بمسؤولية ووفقًا للقانون الدولي، بينما العراق يؤكد حقه السيادي في تحديد حدوده البحرية. وقد أظهر التضامن الخليجي والدولي مع موقف الكويت أهمية الحفاظ على القواعد المشتركة لحل النزاعات، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.











