القصير/ريف حمص – المنشر الاخباري| 24 فبراير 2026، شهدت منطقة القصير وريف حمص الغربي، خلال الساعات الماضية، تطورات ميدانية لافتة وغير مسبوقة في طبيعتها وتوقيتها، إذ شهدت الحدود السورية-اللبنانية تحولا ملموسا في خريطة الانتشار العسكري، في مؤشر يستدعي قراءة معمقة في ظل التعقيدات السياسية والأمنية التي تكتنف هذه المنطقة الحساسة التي طالما كانت بؤرة توتر في سنوات الصراع السوري.
انتشار “الأوزبك” في قلب القصير
رصد نشطاء المرصد السوري لحقوق الإنسان انتشارا واسعا ومنظما لعناصر يعرفون في الأوساط الميدانية بـ”الأوزبك” في مدينة القصير بريف حمص، وبصورة خاصة في المناطق المتاخمة للشريط الحدودي مع لبنان.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن هذه العناصر أنهت للتو دورة تدريبية مكثفة أجريت في معسكر النبك، قبل أن تعاد تموضعها في هذا القطاع الحساس الذي يعد من أكثر مناطق ريف حمص الغربي استراتيجية من الناحية الجغرافية والأمنية على حد سواء.
ولا يقتصر الأمر على مجرد انتشار بشري، إذ أقدمت هذه العناصر على إزالة حاجزي المشتل والشعلة في منطقة القصير المحاذية للحدود السورية-اللبنانية، وهي خطوة تحمل في طياتها دلالات ميدانية عميقة، إذ تعني عمليا إعادة ترتيب منظومة السيطرة الأمنية على المنافذ الحدودية وتغيير طبيعة نقاط التماس في هذا القطاع.
ويتساءل المراقبون عما إذا كانت هذه الخطوة تندرج ضمن عملية إعادة هيكلة منهجية للمنظومة الأمنية على طول الحدود، أم أنها مقدمة لتحولات ميدانية أوسع نطاقا.
تعزيزات متواصلة وحالة استنفار واسعة
ولم يقتصر المشهد الميداني على انتشار عناصر “الأوزبك” وحدهم، بل تزامن ذلك مع وصول تعزيزات عسكرية إضافية إلى المنطقة، ما أسهم في رفع مستوى الكثافة العسكرية في محيط الحواجز والنقاط الأمنية المنتشرة على طول الشريط الحدودي.
وأفادت المصادر بأن حالة من الاستنفار الأمني الواضح تسود المنطقة، مع استمرار تدفق الرتل العسكري وحركة الدوريات على امتداد الطرق المؤدية إلى الحدود اللبنانية.
وتجدر الإشارة إلى أن منطقة القصير وريف حمص الغربي تشهدان في الأشهر الأخيرة تحركات عسكرية متكررة، غير أن ما جرى في الساعات الأخيرة يتميز بطابعه المنظم والمتعدد الأبعاد، مما يوحي بأن ما يجري ليس مجرد تحريك روتيني للقوات، بل ربما يندرج ضمن خطة عملياتية أكبر وأكثر تنسيقا.
قوات تتبع وزارة الدفاع الانتقالية
وبحسب المعلومات المتاحة، فإن العناصر المنتشرة تتبع لوزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية السورية، وهو ما يضفي على هذا الانتشار طابعا مؤسسيا رسميا بعيدا عن الفصائل المسلحة المتعددة التي اعتادت المنطقة على تواجدها في مراحل سابقة.
غير أن المعلومات التفصيلية حول طبيعة المهام الموكلة إلى هذه القوات وخلفيات هذا الانتشار المفاجئ لا تزال شحيحة ومتضاربة، مما يبقي باب التكهنات مفتوحا على مصراعيه.
وتشير بعض المصادر إلى أن هذا الانتشار ربما يرتبط بمساعي الحكومة الانتقالية لبسط سلطتها الفعلية على المناطق الحدودية وتأمين الشريط الحدودي في مواجهة التهريب والتنقلات غير النظامية.
وفي المقابل، يذهب آخرون إلى أن هذه التحركات قد تكون ذات صلة بمتغيرات إقليمية أوسع، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة على أكثر من صعيد.
القصير: جغرافيا الأزمات المتشابكة
لا يمكن قراءة ما يجري في القصير بمعزل عن السياق التاريخي والجغرافي الذي تنتمي إليه هذه المدينة. فالقصير التي تقع على مسافة نحو 25 كيلومترا جنوب غرب مدينة حمص، كانت في الذاكرة القريبة ساحة لمعركة طاحنة في عام 2013 أسفرت عن سيطرة قوات النظام السابق وحلفائه عليها، قبل أن يتغير مشهدها جذريا في موجة التحولات التي اجتاحت سوريا في أواخر عام 2024.
وتكتسب القصير أهميتها الاستراتيجية من كونها تشكل معبرا طبيعيا بين سهل البقاع اللبناني والأراضي السورية، مما جعلها على مدار سنوات طويلة ممرا حيويا للحركة البشرية والتجارة والسلاح على حد سواء.
وهذه الأهمية الجغرافية بالذات هي ما يجعل أي تحول في بنية القوى العسكرية المتمركزة فيها يستوقف المراقبين ويثير تساؤلاتهم حول الأهداف البعيدة من ورائه.
قلق الأهالي وترقب حذر
في خضم هذه التطورات الميدانية، تسود حالة واسعة من الترقب والحذر في أوساط الأهالي المقيمين في المنطقة وما حولها. ويعيش السكان حالة من الاضطراب النفسي الطبيعي جراء الانتشار المكثف وحركة القوات المتصاعدة، في ظل غياب أي توضيح رسمي يبين لهم طبيعة ما يجري وأهدافه. وتتداول بين المجتمعات المحلية أحاديث متضاربة، وتكثر التكهنات حول مغزى هذا التحرك وتداعياته المحتملة على الاستقرار اليومي والوضع المعيشي.
وتعاني منطقة القصير وريف حمص الغربي عموما من تداعيات إنسانية واقتصادية متراكمة جراء سنوات الصراع، وتبقى البنية التحتية في حاجة ماسة إلى إعادة الإعمار، كما أن النسيج الاجتماعي لا يزال يعاني تشققات عميقة نتيجة سنوات من التهجير والنزوح. ومن ثم، فإن أي تحرك عسكري مفاجئ يلقي بظلاله الثقيلة على مجتمعات لم تنته جراحها بعد.
في سياق التحولات الإقليمية
تأتي هذه التطورات في خضم مشهد إقليمي بالغ التعقيد، تشهد فيه الساحة السورية إعادة رسم للتوازنات والتحالفات في ظل الحكومة الانتقالية التي تسعى إلى بسط سلطتها وترسيخ حضورها المؤسسي تدريجيا على امتداد الأراضي السورية.
وفي هذا السياق، تبدو مناطق الحدود ذات الحساسية الخاصة أولوية لا يمكن تجاهلها، لا سيما الحدود مع لبنان الذي يمر هو الآخر بمرحلة انتقالية دقيقة مع تشكل حكومته الجديدة وسعيها لاستعادة الاستقرار وإعادة الانتشار العسكري اللبناني في مناطق جنوب البلاد وسهل البقاع.
ويرى محللون أن توطيد السيطرة على الحدود السورية-اللبنانية يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجهها دمشق في مرحلتها الانتقالية الراهنة، إذ ترتبط هذه الحدود بملفات عدة شائكة، من بينها: ملف المقاتلين الأجانب، وحركة الأسلحة، وشبكات التهريب، فضلا عن الحضور التاريخي لقوى غير نظامية في هذه المناطق.
مشهد مفتوح على كل الاحتمالات
لا تزال الصورة الكاملة لما يجري على الحدود السورية-اللبنانية في منطقة القصير ضبابية في كثير من تفاصيلها، فيما تبقى الأسئلة الجوهرية معلقة في انتظار توضيحات رسمية من وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية السورية.
غير أن ما يبدو واضحا حتى الآن هو أن ثمة إعادة ترتيب جدية لبنية الانتشار العسكري في هذا الشريط الحدودي الحساس، في خطوة تحمل رسائل ميدانية لا يمكن إغفالها بمعزل عن المشهد الأشمل الذي تمر به سوريا في مرحلتها الانتقالية الراهنة.
ويبقى السؤال الأكبر: هل يمثل هذا الانتشار بداية مرحلة جديدة من الضبط الأمني الرسمي على المنافذ الحدودية، أم أنه مجرد حلقة في سلسلة من التحركات التكتيكية المتقطعة التي شهدتها المنطقة في الأشهر الأخيرة؟









