القاهرة- المنشر الاخباري| 24 فبراير 2026، تقف مصر اليوم على أعتاب لحظة مالية فارقة، إذ يعقد المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي اجتماعا حاسما غدا الأربعاء للبت في الموافقة النهائية على المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، إضافة إلى اعتماد المراجعة الأولى لقرض المرونة والاستدامة، وفق ما كشفت عنه البيانات المنشورة على الموقع الرسمي للصندوق.
وتعني هذه الموافقة، إن صدرت كما هو متوقع، فتح الباب أمام القاهرة لاستلام 2.3 مليار دولار جديدة في وقت تشتد فيه حاجتها إلى تعزيز احتياطياتها وتوفير الوقود اللازم لمسيرة إصلاحها الاقتصادي المتعثر.
تفاصيل الدفعة المرتقبة
وتنقسم الأموال المرتقب صرفها إلى شقين متمايزين، كل منهما يحمل دلالته الخاصة. الشق الأول هو مبلغ ملياري دولار سيصرف في إطار اعتماد المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الأشمل البالغة قيمته الإجمالية 8 مليارات دولار، والذي أبرمته مصر مع الصندوق في مارس 2024 بوصفه ركيزة لتثبيت اقتصادها وسط أزمة حادة في النقد الأجنبي وارتفاع حاد في معدلات التضخم.
أما الشق الثاني فيتمثل في 300 مليون دولار ستصرف مع اعتماد الدفعة الأولى من قرض المرونة والاستدامة البالغة قيمته الإجمالية 1.3 مليار دولار، وهو قرض ذو طابع مختلف يستهدف تمويل مشاريع المناخ والتنمية المستدامة، مما يعني أن مصر باتت تتعامل مع صندوق النقد عبر قناتين تمويليتين متوازيتين في آن واحد.
مسيرة القرض: أربع دفعات في أقل من عامين
ولفهم السياق الكامل لهذه اللحظة، تجدر الإشارة إلى أن مصر لم تكن غريبة عن علاقة وثيقة ومديدة مع صندوق النقد الدولي، غير أن برنامج 2024 جاء بحجم غير مسبوق وسط ضغوط اقتصادية استثنائية.
وقد تسلمت القاهرة حتى الآن نحو 3.3 مليار دولار من إجمالي قيمة البرنامج على أربع دفعات متتالية، كان آخرها 1.2 مليار دولار صرفت في أغسطس الماضي عقب اعتماد المراجعة الرابعة للبرنامج.
وبإضافة الدفعة الجديدة البالغة ملياري دولار، ستكون مصر قد استلمت ما مجموعه 5.3 مليار دولار من قرض الإصلاح البالغ 8 مليارات، أي ما يزيد على 66% من إجمالي قيمة البرنامج، في حين يبقى نحو 2.7 مليار دولار لدفعات مقبلة مشروطة باستمرار الامتثال للشروط الإصلاحية.
جورجييفا تبشر بالاعتماد
ولم تتردد كريستالينا جورجييفا، المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي، في إرسال إشارات إيجابية مسبقة حول مسار القرار، إذ أكدت في تصريحات سابقة أن مصر أحرزت تقدما ملموسا في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، معربة عن ثقتها في أن المجلس التنفيذي سيقر صرف الـ2.3 مليار دولار.
وتصريحات جورجييفا بهذه الصراحة في مرحلة سابقة للاجتماع الرسمي تحمل في العرف المؤسسي لصندوق النقد دلالة شبه قاطعة على أن مسار الموافقة محسوم.
وكان فريق خبراء الصندوق قد سبق المجلس التنفيذي باعتماد المراجعتين الخامسة والسادسة على المستوى الفني، في خطوة تمثل عادة المرحلة الأخيرة قبل التصويت الرسمي للمجلس، مما يعني أن ما يجري غدا هو في جوهره إضفاء الطابع الرسمي على قرار ناضج.
ماذا تعني الموافقة فعليا؟
ويحمل إدراج ملف مصر على جدول أعمال المجلس التنفيذي دلالة مزدوجة أبعد من مجرد إجراء روتيني. فمن الناحية الفنية، يعني ذلك أن الحكومة المصرية استوفت جميع السياسات والإجراءات المطلوبة ضمن برنامج الإصلاح، من ضبط مالي وإصلاح ضريبي وترشيد دعم وإصلاح قطاع الطاقة وتعزيز استقلالية البنك المركزي وإدارة سعر الصرف.
أما من الناحية السياسية والمعنوية، فإن اعتماد الصندوق يمثل شهادة ثقة دولية تفتح أمام القاهرة أبواب أسواق رأس المال الدولي وتيسر عليها التفاوض مع الدائنين الآخرين.
الديون المصرية: ثقل متراكم
وفي هذا السياق، تكتسب معرفة حجم الديون الخارجية المصرية أهمية بالغة لفهم الصورة الكاملة.
وتشير أحدث البيانات الرسمية المتاحة إلى أن الدين الخارجي لمصر بلغ نحو 155 مليار دولار في نهاية عام 2024، وإن كانت الأرقام الأكثر حداثة لأوائل 2026 لم تعلن بعد بشكل رسمي.
وتعد هذه الأرقام من بين الأعلى في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بالقيمة المطلقة، وإن كانت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تبقى في نطاق يراه الصندوق قابلا للإدارة شريطة استمرار مسار الإصلاح.
وقد تراكمت هذه الديون عبر سنوات من الاقتراض الخارجي الواسع لتمويل مشاريع البنية التحتية الكبرى، في مقدمتها مشاريع مدينة العاصمة الإدارية الجديدة وشبكات الطرق والكهرباء والغاز، فضلا عن الاقتراض لتغطية فجوات الميزانية في مراحل ضغط اقتصادي متكررة.
ويستحق هذا الرصيد الديني خدمة سنوية ضخمة تستنزف جزءا كبيرا من الإيرادات الحكومية، مما يجعل الحصول على قروض بشروط ميسرة كتلك التي يوفرها صندوق النقد أمرا بالغ الأهمية.
تحديات الإصلاح لا تزال قائمة
غير أن الصورة ليست وردية تماما، إذ تواجه مصر منظومة من التحديات الاقتصادية الهيكلية التي لا تحلها دفعات القروض وحدها. فمعدلات التضخم لا تزال مرتفعة وتضغط على المستوى المعيشي لملايين الأسر المصرية.
وقطاع الاستثمار الخاص لم يحقق بعد القفزة المأمولة رغم الإصلاحات التشريعية المتعاقبة. كما أن الضغط على سعر الصرف يبقى حاضرا في ظل احتياجات التمويل الخارجي المستمرة وتكاليف خدمة الدين.
ويرى اقتصاديون أن النجاح الفعلي لبرنامج صندوق النقد لن يقاس بعدد الدفعات المستلمة، بل بمدى قدرة مصر على خلق نموذج اقتصادي أكثر قدرة على توليد النقد الأجنبي بشكل مستدام عبر الصادرات والاستثمارات الأجنبية المباشرة، بعيدا عن الاعتماد الدائم على الاستدانة.
ومع اقتراب موعد اجتماع الأربعاء، تترقب القاهرة قرار المجلس التنفيذي بوصفه منعطفا في مسار إصلاحها الاقتصادي، الذي بدأت معالمه تتضح ببطء وإن كانت تكاليفه الاجتماعية لا تزال تلقي بثقلها على كاهل المواطن المصري. والمليارات القادمة من واشنطن ليست غاية في حد ذاتها، بل وقود لمرحلة انتقالية تأمل مصر أن تفضي في نهاية المطاف إلى اقتصاد أكثر توازنا وأقل اعتمادا على دورات الاستدانة المتكررة.










