نيويورك – المنشر الإخباري | 24 فبراير 2026: في خطوة تعكس رغبة المجتمع الدولي في ضخ دماء جديدة في عروق الوساطة المتعثرة، أعلنت الأمم المتحدة اليوم الثلاثاء تعيين الدبلوماسي الفنلندي المخضرم، بيكا هافيستو، مبعوثا شخصيا للأمين العام أنطونيو غوتيريش إلى السودان.
ويأتي هذا التكليف ليخلف الجزائري رمطان لعمامرة، في توقيت يوصف بأنه “الأخطر” منذ اندلاع الحرب الأهلية في أبريل 2023.
هافيستو: العودة إلى رمال دارفور المتحركة
لا يعد بيكا هافيستو وجها غريبا على الخرطوم أو دارفور؛ فالسياسي الفنلندي البارز المنتمي لحزب “الخضر” يحمل في جعبته خبرة تمتد لأكثر من 40 عاما في ردهات الدبلوماسية الدولية، منها سنوات مفصلية قضاها كممثل خاص للاتحاد الأوروبي في السودان بين عامي 2005 و2007.
هافيستو، الذي قاد الخارجية الفنلندية (2019-2023) في أحلك ظروف القارة الأوروبية، ينظر إليه كـ”جراح أزمات” متخصص في الشأن الأفريقي.
فقد شارك سابقا في مفاوضات سلام دارفور، وعمل مساعدا للأمين العام للأمم المتحدة في ذات الملف عام 2007. هذه الخلفية تمنحه ميزة “المعرفة العميقة” بالخارطة القبلية والسياسية السودانية، وهو ما يحتاجه المنصب الذي استنزف طاقة سلفه لعمامرة دون تحقيق خرق ملموس في جدار التعنت العسكري.
إرث لعمامرة.. دبلوماسية في حقل ألغام
بمغادرة رمطان لعمامرة، تنتهي حقبة من المحاولات المكوكية التي اتسمت بالهدوء والصبغة الأفريقية-العربية. ورغم ثقله الدبلوماسي، اصطدم لعمامرة بواقع ميداني تجاوز كل الخطوط الحمراء؛ حيث تفتتت الدولة السودانية بين مطرقة الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وسندان قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
ويرى مراقبون أن تعيين هافيستو يمثل تحولا نحو “التدويل الأوروبي” للأزمة، مستفيدا من علاقات هافيستو المتوازنة وقدرته على حشد الدعم الغربي لملفات الإغاثة والضغط السياسي.
السودان 2026: جغرافيا الموت والنزوح
يستلم هافيستو مهامه والسودان يئن تحت وطأة أكبر أزمة إنسانية في العالم المعاصر. الأرقام تتحدث عن كارثة تفوق الوصف حيث هناك أكثر من 12 مليون نازح ولاجئ، في حركة لجوء هي الأضخم عالميا.
وكذلك تحذيرات أممية من مجاعة كارثية تضرب الخرطوم وكردفان ودارفور، حيث بات الطعام سلاحا في يد المتقاتلين.
وتقارير مرعبة عن جرائم إبادة جماعية محتملة في الفاشر، تذكر العالم بمآسي مطلع الألفية التي عاصرها هافيستو نفسه.
تحديات المهمة المستحيلة
لن تكون مهمة المبعوث الفنلندي مفروشة بالورود؛ فهو يواجه أطرافا عسكرية ترفض الجلوس على طاولة التفاوض بجدية، وسط انهيار كامل للمنظومة الاقتصادية وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية للمحاصرين.
ومع ذلك، فإن تعيين رجل بخبرة هافيستو في “برنامج الأمم المتحدة للبيئة” (UNEP) وفي مناطق نزاع مثل العراق وأفغانستان وفلسطين، يعطي مؤشرا على أن الأمم المتحدة تبحث عن حلول “تقنية وإنسانية” تسبق الحل السياسي، لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من النسيج الاجتماعي السوداني المتهالك.
الترقب الدولي
قوبل النبأ بتغطية واسعة من منصات دولية وسودانية (راديو تمازوج، سودان تربيون، سكاي نيوز عربية)، وسط تساؤل جوهري: هل ينجح “دبلوماسي الخضر” في إطفاء الحرائق التي عجزت عنها المبادرات الإقليمية؟ الإجابة تكمن في مدى قدرة هافيستو على تحويل “رصيده التاريخي” في السودان إلى “فعل ميداني” يوقف أزيز الرصاص ويفتح ممرات الحياة لـ 45 مليون سوداني باتوا رهائن لحرب لا تبقي ولا تذر.










