الرئيس التنفيذي السابق لـAirbus يدعو لإحياء الشراكة مع بريطانيا ويحذر من مشروع وطني قد يتحول إلى استنزاف مالي وعسكري
لندن – 25 فبراير 2026 – المنشر الإخباري
فتح الرئيس التنفيذي السابق لشركة Airbus، Tom Enders، واحدة من أكثر الملفات حساسية في قطاع الصناعات الدفاعية الأوروبية، بعدما وصف قرار ألمانيا المضي قدماً في تطوير مقاتلة مستقبلية بالشراكة مع فرنسا ضمن برنامج Future Combat Air System (FCAS) بأنه “خطأ استراتيجي”.
وفي مقابلة مطولة مع صحيفة Financial Times البريطانية، اعتبر إندرز أن برلين تخلت عن مسار صناعي أكثر توازناً حين فضّلت التعاون مع باريس بعد عام 2017، في خطوة رأى أنها حملت أبعاداً سياسية مرتبطة بخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، أي Brexit، أكثر مما استندت إلى اعتبارات صناعية وعسكرية طويلة الأمد.
جذور القرار… سياسة أم استراتيجية؟
انطلق برنامج FCAS في سياق أوروبي مضطرب، حيث كانت العواصم الكبرى تبحث عن تعزيز “الاستقلالية الاستراتيجية” للاتحاد الأوروبي بعد خروج لندن من التكتل. وكان الهدف المعلن تطوير منظومة قتال جوي متكاملة من الجيل السادس، تضم مقاتلة مأهولة متقدمة، وطائرات مسيّرة مرافقة، وأنظمة اتصالات وقيادة رقمية فائقة التطور.
غير أن إندرز يرى أن ألمانيا أخطأت عندما اعتبرت أن الشراكة الثنائية مع فرنسا كافية لضمان نجاح المشروع، متجاهلة الإرث الصناعي العميق الذي جمعها على مدى أكثر من خمسة عقود مع شركة BAE Systems البريطانية في تطوير الطائرات القتالية الأوروبية، من “تورنادو” إلى “يوروفايتر”.
ويؤكد أن تلك الشراكة التاريخية لم تكن مجرد تعاون تقني، بل شكلت أساساً لبنية صناعية دفاعية متكاملة في القارة، وأن التخلي عنها بدوافع سياسية أضعف موقع ألمانيا في معادلة التوازن داخل المشروع الجديد.
صراع صناعي بين إيرباص وداسو
تبلغ الكلفة التقديرية لبرنامج FCAS نحو 100 مليار يورو، ويشارك فيه إلى جانب ألمانيا وفرنسا، كل من إسبانيا. غير أن المشروع شهد منذ مراحله الأولى توترات حادة بين “إيرباص” وشركة Dassault Aviation الفرنسية، خصوصاً حول مسألة قيادة المشروع وتوزيع المهام الحساسة، مثل تطوير أنظمة التحكم بالطيران والبرمجيات القتالية.
وتحولت الخلافات الصناعية إلى عقبة متكررة عطّلت تقدم البرنامج، وأثارت تساؤلات داخل الأوساط الدفاعية حول ما إذا كانت الاعتبارات الوطنية تطغى على منطق الكفاءة التقنية.
إندرز لم يُخفِ استياءه من هذه الخلافات، مشيراً إلى أن غياب توزيع واضح ومتوازن للمهام منذ البداية كان مؤشراً على خلل هيكلي في إدارة المشروع. ويرى أن مثل هذه النزاعات، في مشروع معقد بهذا الحجم، قد تؤدي إلى تأخير زمني مكلف أو حتى تقويض فرص نجاحه بالكامل.
تحذير من “نزعة وطنية مكلفة”
في سياق الجدل المتصاعد حول مستقبل FCAS، برزت في ألمانيا أصوات تدعو إلى تطوير برنامج وطني خالص في حال تعثر المشروع الأوروبي. لكن إندرز حذّر بشدة من هذا الخيار، واصفاً إياه بأنه قد يتحول إلى “هدر ضخم للموارد”، دون ضمان تحقيق تفوق عملياتي ملموس لسلاح الجو الألماني.
وأوضح أن تطوير مقاتلة من الجيل السادس يتطلب استثمارات هائلة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية العسكرية، وأنظمة التخفي، والمحركات المتقدمة، وهي مجالات يصعب على دولة أوروبية واحدة تحمل تكلفتها منفردة.
ويرى أن التكرار الوطني للمشاريع الدفاعية داخل أوروبا يعمّق الانقسامات ويضعف القدرة التنافسية للقارة في مواجهة القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة والصين.
البدائل المطروحة: لندن أو ستوكهولم
في حال فشل FCAS، طرح إندرز احتمال العودة إلى التعاون مع المملكة المتحدة عبر “BAE Systems”، أو حتى الانفتاح على شراكة مع شركة Saab السويدية، المعروفة بخبرتها في تطوير مقاتلات متقدمة بكلفة تشغيلية أقل نسبياً.
وتتزامن هذه الطروحات مع وجود مشروع بريطاني-إيطالي-ياباني موازٍ لتطوير مقاتلة من الجيل السادس، ما يفتح الباب أمام إعادة رسم خريطة التعاون الدفاعي في أوروبا، بعيداً عن الاصطفافات التي فرضتها مرحلة ما بعد “بريكست”.
معركة الاستقلالية الاستراتيجية
تندرج تصريحات إندرز ضمن نقاش أوسع حول مفهوم “الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية”، وهو الشعار الذي تبنته باريس بقوة خلال السنوات الأخيرة. فبينما ترى فرنسا أن تعزيز المشاريع الدفاعية المشتركة داخل الاتحاد الأوروبي يعزز سيادة القرار الأوروبي، يخشى بعض الخبراء من أن تتحول هذه المشاريع إلى رهينة للتجاذبات السياسية الوطنية.
ويشير مراقبون إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار الشريك، بل في قدرة أوروبا على بناء نموذج تعاوني قائم على الكفاءة الصناعية وتوزيع الأدوار وفق معايير تقنية واضحة، بعيداً عن الحسابات السيادية الضيقة.
البعد العسكري… هل يخدم FCAS احتياجات ألمانيا؟
من الناحية العملياتية، من المفترض أن يحل FCAS محل مقاتلات “يوروفايتر” و”رافال” في العقود المقبلة، وأن يمنح أوروبا قدرة متقدمة على خوض حروب الشبكات الحديثة، حيث تتكامل الطائرات المأهولة مع المسيّرات وأنظمة الاستطلاع الفضائي.
لكن إندرز يلمّح إلى أن الخلافات الصناعية قد تؤثر على الجدول الزمني، ما يضع سلاح الجو الألماني أمام فجوة قدرات محتملة في حال تأخر دخول المقاتلة الجديدة الخدمة. ويرى أن المرونة في اختيار الشركاء قد تكون ضرورية لتفادي هذا السيناريو.
انعكاسات على الصناعة الأوروبية
الجدل حول FCAS لا يتعلق فقط بالشق العسكري، بل يمتد إلى مستقبل صناعة الطيران الدفاعي الأوروبية بأكملها. فنجاح البرنامج قد يعزز مكانة أوروبا كمطور مستقل لأنظمة القتال الجوي المتقدمة، بينما فشله قد يؤدي إلى تشتت الاستثمارات وتراجع القدرة التنافسية أمام شركات أميركية عملاقة.
كما أن الانقسام بين مشاريع متوازية داخل القارة قد يخلق ازدواجية مكلفة، في وقت تتطلب فيه التطورات التكنولوجية توحيد الجهود لتقاسم المخاطر المالية والبحثية.
بين السياسة والبراغماتية
تصريحات إندرز تعكس توتراً قديماً بين منطق السياسة ومنطق الصناعة. فبينما اتُّخذ قرار إطلاق FCAS في سياق إعادة ترتيب البيت الأوروبي بعد “بريكست”، يبدو أن الواقع الصناعي يفرض حسابات مختلفة، تقوم على الكفاءة والتكامل طويل الأمد.
ويرى محللون أن برلين تجد نفسها اليوم أمام مفترق طرق: إما مواصلة الالتزام بالمشروع الفرنسي-الإسباني رغم التعقيدات، أو إعادة النظر في خياراتها الاستراتيجية، بما في ذلك توسيع قاعدة الشركاء.
سواء اتفق صناع القرار في برلين مع تقييم إندرز أم لا، فإن تصريحاته أعادت إشعال النقاش حول مستقبل التعاون الدفاعي الأوروبي. فبرنامج بحجم FCAS ليس مجرد مشروع صناعي، بل رهان سياسي واستراتيجي على موقع أوروبا في النظام الدولي.
وإذا كان الهدف بناء قوة جوية أوروبية متفوقة، فإن الطريق إلى ذلك – كما توحي كلمات إندرز – لا يمر فقط عبر الشعارات السياسية، بل عبر شراكات متوازنة، إدارة صناعية محكمة، ورؤية استراتيجية تتجاوز حسابات اللحظة.










