ثلاث بعثات بحرية أوروبية تبحث التنسيق العملياتي ومواجهة “الأسطول الظل” الروسي والتهديدات الهجينة في البحر الأحمر والمتوسط
روما – 25 فبراير 2026 – المنشر الإخباري
في ظل تصاعد التحديات الأمنية في البحار والممرات الاستراتيجية، استضافت العاصمة الإيطالية روما أول اجتماع لقادة العمليات البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي، في خطوة تهدف إلى تعزيز التنسيق العملياتي بين البعثات الأوروبية الممتدة من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر وصولاً إلى المحيط الهندي.
الاجتماع، الذي يُعد الأول من نوعه بين القيادات البحرية الأوروبية، انعقد على مدى يومين في قاعدة تشينتوتشيلي الجوية التابعة لسلاح الجو الإيطالي، وجمع كبار القادة العسكريين المسؤولين عن ثلاث عمليات بحرية رئيسية تندرج ضمن إطار سياسة الأمن والدفاع المشتركة للاتحاد الأوروبي.
وشارك في اللقاء قائد عملية Eunavfor Med Irini (القوة البحرية الأوروبية – عملية إيريني) الأدميرال ماركو كاسابيري، الذي استضاف الحدث، إلى جانب قائد عملية Eunavfor Atalanta (القوة البحرية الأوروبية – عملية أتلانتا) الأدميرال إغناسيو فيلانويفا، وقائد عملية Eunavfor Aspides (القوة البحرية الأوروبية – عملية أسبيدس) الأدميرال فاسيليوس غريباريـس
تعزيز الجاهزية في “المتوسط الموسّع”
يأتي هذا الاجتماع في سياق إقليمي ودولي يتسم بتزايد عدم الاستقرار البحري، وانتشار الفاعلين غير الحكوميين، واستخدام سفن ذات أغراض مزدوجة، فضلاً عن ثغرات في تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الدول. وتحوّلت روما، خلال يومي الاجتماع، إلى ما وصفه المشاركون بـ”العاصمة العملياتية للمتوسط الموسّع”، في إشارة إلى الامتداد الجغرافي الذي يغطيه التنسيق الأوروبي من “ماري نوستروم” التاريخي حتى البحر الأحمر والمحيط الهندي.
وتتولى عملية “إيريني” تنفيذ حظر الأسلحة المفروض على ليبيا والمساهمة في مكافحة الاتجار غير المشروع في وسط المتوسط، بينما تركز “أتلانتا” على مكافحة القرصنة في غرب المحيط الهندي وخليج عدن وتأمين خطوط الملاحة التجارية، في حين أُطلقت “أسبيدس” لضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر والمناطق المجاورة في مواجهة التهديدات التي تستهدف السفن التجارية.
رسائل القادة: الأمن البحري التزام طويل الأمد
في افتتاح أعمال الاجتماع، أكد الأدميرال كاسابيري أن اللقاء يمثل “فرصة فريدة لتبادل الخبرات والمعلومات وتنسيق المقترحات العملياتية”، مشدداً على أن الأولوية المشتركة تتمثل في تعزيز الأمن البحري والتكاتف في مواجهة التحديات الراهنة. وأضاف أن كل جهد مشترك يسهم في حماية المواطنين الأوروبيين وتأمين البحار والمصالح الاستراتيجية للاتحاد.
من جهته، شدد الأدميرال فيلانويفا على أن عملية أتلانتا تواصل دعم الصناعة البحرية وحماية طرق التجارة العالمية، معتبراً أن الاجتماع يفتح الباب أمام توسيع أطر التعاون بين العمليات الأوروبية لتحقيق أهداف مشتركة أكثر فاعلية.
أما الأدميرال غريباريـس، فأكد أن العمليات البحرية الأوروبية لا تمثل استجابة ظرفية لأزمة عابرة، بل تجسد قدرة الاتحاد الأوروبي على لعب دور ضامن مستقر وموثوق للأمن البحري، مشيراً إلى أن الوجود الأوروبي في أعالي البحار يعكس التزاماً طويل الأمد بمبادئ الحرية والاستقرار.
البحر المتوسط… عقدة جيوسياسية حساسة
لا يزال البحر المتوسط، الذي شكّل عبر التاريخ مفترق طرق للحضارات والتجارة، ساحة توترات ونزاعات متشابكة. وترتبط هذه المنطقة ارتباطاً مباشراً بممرات حيوية في البحر الأحمر وغرب المحيط الهندي وخليج عدن وبحر العرب وخليج عمان والخليج العربي، ما يجعل أمن الملاحة البحرية أولوية استراتيجية قصوى للاتحاد الأوروبي، سواء من منظور الطاقة أو التجارة أو الاستقرار السياسي.
ثلاثة محاور رئيسية للنقاش
توزعت أعمال الاجتماع على ثلاثة محاور أساسية:
1. الوعي بالمجال البحري والبنية التحتية الحيوية:
ركزت الجلسة الأولى على تعزيز فهم المشهد البحري، مع تسليط الضوء على ما يُعرف بـ”الأسطول الظل” الروسي وتأثيره على الأمن الدولي. وتم بحث آليات رصد السفن المشبوهة، ومراقبة وحماية الكابلات البحرية والبنى التحتية للطاقة تحت سطح البحر، باعتبارها أهدافاً حساسة في النزاعات المعاصرة.
2. البيئة العملياتية خارج حدود الاتحاد الأوروبي:
تناولت الجلسة الثانية التحديات الأمنية في المناطق الواقعة خارج الإطار الجغرافي للاتحاد، مع التركيز على التهديدات الهجينة، والتحولات الجيوسياسية، وأهمية حماية خطوط الاتصال البحرية التي تشكل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية.
3. الدعم المتبادل والتشغيل البيني:
خصص المحور الثالث لتعزيز آليات التعاون بين العمليات الثلاث، من خلال تبادل أفضل الممارسات، وتنظيم تدريبات ومناورات مشتركة، ووضع بروتوكولات موحدة لتحسين تبادل المعلومات والتنسيق الميداني تحت مظلة الاتحاد الأوروبي.
مخرجات مرتقبة وتنسيق مستدام
ومن المتوقع أن تسفر الاجتماعات عن مقترحات عملية لتأسيس حوار منظم بين هيئات الأركان في العمليات الثلاث، بما يعزز قابلية التشغيل البيني، ويرفع مستوى تبادل المعلومات، ويضمن استجابة أسرع وأكثر تنسيقاً للأزمات البحرية.
ويرى مراقبون أن هذا اللقاء يمثل خطوة استراتيجية لتعزيز الحضور البحري الأوروبي في مناطق حساسة تشهد تنافساً دولياً متزايداً، لا سيما في ظل التهديدات التي تطال سلاسل الإمداد العالمية وأمن الطاقة. كما يعكس إدراكاً أوروبياً متنامياً بأن حماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية تبدأ من البحر، حيث تمر النسبة الأكبر من التجارة العالمية عبر الممرات البحرية.
وبينما تتزايد المخاطر المرتبطة بالقرصنة والتهريب والهجمات على السفن التجارية، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تطوير مقاربة أكثر تكاملاً للأمن البحري، قائمة على التنسيق العملياتي وتكامل القدرات العسكرية واللوجستية والاستخباراتية.
بهذا الاجتماع، تضع أوروبا لبنة جديدة في بناء منظومة أمن بحري أكثر تماسكا، في وقت تتسارع فيه التحديات وتتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد العالمي، لتصبح البحار مرة أخرى مسرحاً رئيسياً للصراعات والتنافس الدولي.










