في مطلع 2026 تتسارع وتيرة الحراك السياسي والاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي، بين خطوات تكامل جديدة، وضغوط إقليمية ودولية تعيد اختبار متانة البيت الخليجي من الداخل.
وبينما تدفع الحكومات باتجاه تعميق التعاون الاقتصادي وبناء شراكات استراتيجية مع قوى آسيوية صاعدة، يسلّط المراقبون الضوء على أسئلة معلّقة تتعلق بآليات صنع القرار وحل الخلافات داخل المجلس.
مسار اقتصادي صاعد رغم تقلبات النفط
تركز دول الخليج في 2026 على بناء اقتصاد أكثر مرونة في مواجهة تراجع عوائد النفط وتقلب أسعاره، مع توجيه السياسات نحو تنويع الشركاء وتعزيز الاستثمارات غير النفطية.
وتشير تحليلات اقتصادية حديثة إلى أن دول المجلس تتجه لتسجيل معدلات نمو إيجابية هذا العام، مدعومة بإنفاق حكومي استثماري وبتحولات عميقة في دور الصناديق السيادية التي تتحول من أدوات حماية إلى محركات رئيسية للنمو المستدام.
وتبرز خمسة محاور رئيسية تشكّل ملامح المشهد الاقتصادي الخليجي: توسيع الشراكات التجارية، تأمين سلاسل الإمداد الحيوية، تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، إدارة تحولات سوق العمل، والحفاظ على مرونة مالية في ظل عوائد نفطية أكثر تقلباً.
هذه المحاور تعكس إدراكاً رسمياً متزايداً بأن الرهان على النفط لم يعد كافياً لضمان الاستقرار على المدى البعيد، وأن جذب الاستثمارات يتطلب بيئة تشريعية أكثر تنافسية وعلاقات خارجية متوازنة.
شراكات تجارية واستراتيجية جديدة
على المستوى الخارجي، دخلت دول مجلس التعاون مرحلة مفاوضات متقدمة لإطلاق اتفاقية تجارة حرة مع الهند، في خطوة توصف بأنها نقلة نوعية في الشراكة بين الطرفين.
الاتفاق المرتقب يشمل مجالات واسعة تتجاوز التجارة في السلع والخدمات، ليغطي التجارة الرقمية والإجراءات الجمركية وسلاسل الإمداد، ما يفتح الباب أمام تكامل أعمق بين الاقتصادات الخليجية والهندية.
هذا التوجه يتقاطع مع رؤية خليجية أوسع لترسيخ مكانة المنطقة كمركز محوري للتجارة بين الشرق والغرب، عبر اتفاقيات متعددة مع شركاء آسيويين وأوروبيين، وبناء ممرات لوجستية أكثر أمناً وكفاءة.
كما تراهن العواصم الخليجية على أن تنويع الشركاء سيخفف من آثار التوترات الجيوسياسية على تدفقات التجارة والاستثمار، في منطقة محاطة بصراعات من اليمن إلى غزة.
تكامل تدريجي ومشروعات «نوعية» داخلية
في الداخل الخليجي، تتقدم مشاريع التكامل عملياً عبر مبادرات قطاعية، من أبرزها تدشين المرحلة الأولى من مشروع «النقطة الواحدة عند السفر جوًّا» بين الإمارات والبحرين في فبراير 2026.
هذا المشروع يتيح توحيد إجراءات السفر بين البلدين في نقطة واحدة، ويجسد مستوى متقدماً من التكامل التقني والمؤسسي، مع التطلع إلى تعميم التجربة على بقية دول المجلس وفق جاهزية كل دولة.
إلى جانب ذلك، تستعد الأمانة العامة لعقد الدورة الـ167 للمجلس الوزاري لوزراء الخارجية في مارس 2026، بعد اجتماعات تحضيرية في الرياض ركزت على تنسيق المواقف حيال ملفات سياسية واقتصادية وأمنية مطروحة على جدول الأعمال.
هذا الحراك الدبلوماسي يعكس حرصاً على الحفاظ على وتيرة منتظمة من التشاور المشترك في ظل بيئة إقليمية مضطربة وتغيرات في أولويات القوى الكبرى.
ضغوط إقليمية وتحديات الأمن الجماعي
رغم هذا الزخم الاقتصادي والمؤسسي، لا تزال دول مجلس التعاون تواجه تحديات حادة على مستوى الأمن الإقليمي، خصوصاً في ظل التصعيد المستمر على أكثر من جبهة.
ففي يناير 2026، عبّر المجلس عن إدانته لتصريحات إيرانية طالت سيادة البحرين وحقوق الإمارات في جزرها الثلاث، إلى جانب ملف حقل الدرة، في تذكير متجدد بحساسية الملفات الحدودية والخلافات مع طهران.
تتزامن هذه التوترات مع استمرار تداعيات الحرب في غزة والاشتباكات الإسرائيلية – الإيرانية التي ألقت بظلالها على الأمن البحري وأسواق الطاقة، ما يزيد من تكلفة التأمين على السفن والاستثمارات ويرفع منسوب القلق لدى المستثمرين العالميين.
هذه الظروف تدفع العواصم الخليجية إلى زيادة الإنفاق على الدفاع والأمن، أحياناً على حساب بعض البرامج التنموية، مع محاولة الموازنة بين متطلبات الردع وبين الحفاظ على زخم الإصلاح الاقتصادي الداخلي.
أسئلة داخلية مؤجلة حول بنية المجلس
على الرغم من استعادة قدر من التماسك بعد إنهاء الأزمة الخليجية مع قطر في قمة العلا، تكشف القمم الأخيرة، وآخرها قمة المنامة 2025، عن استمرار نقاشات عميقة حول قدرة المجلس على التحول إلى كتلة متجانسة في القرارات الكبرى.
تشير تحليلات سياسية إلى أن المجلس يعاني من اختلالات بنيوية، أبرزها الاعتماد على مبدأ الإجماع الكامل الذي يتيح لأي دولة تعطيل اتفاقيات مفصلية مثل الاتحاد الجمركي أو السوق المشتركة لعقود طويلة.
كما تبرز الخلافات في مقاربات عدد من الملفات الإقليمية، من اليمن إلى ليبيا والسودان، حيث تتباين أدوار العواصم الخليجية بين العمل العسكري المباشر والوساطة والدعم الإنساني، ما يجعل من الصعب بلورة سياسة خارجية موحّدة في كل القضايا.
ويرى بعض المراقبين أن تجاوز هذه الإشكالات يتطلب آليات ملزمة لحل الخلافات الداخلية، سواء عبر محكمة خليجية أو لجنة تحكيم دائمة، بما يقلل من كلفة الأزمات ويحصرها داخل إطار مؤسسي.
في المحصلة، تبدو دول مجلس التعاون في 2026 أمام لحظة مفصلية تجمع بين فرص اقتصادية كبرى وتحديات سياسية وأمنية لا يمكن تجاهلها.
نجاح المشروع الخليجي في هذه المرحلة سيعتمد على قدرة القادة على تحويل مسار التكامل من مشاريع انتقائية بين عاصمتين أو ثلاث إلى منظومة متماسكة، قادرة على إدارة الخلافات بقدر ما تُحسن إدارة الشراكات والفرص.








