كل المؤشرات تشير إلى أن خطر توجيه ضربات عسكرية أمريكية لإيران في 2026 هو الأعلى منذ عقود، لكن قرار الحرب الشاملة لم يُحسم بعد، وما زال الباب مفتوحًا – ولو بشكل ضيق – أمام صفقة نووية أو ضربات محدودة بدل حرب واسعة.
تعيش المنطقة على وقع سباق متسارع بين الدبلوماسية وطبول الحرب، مع تصاعد الحديث في واشنطن وطهران عن احتمال توجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران خلال أيام أو أسابيع، في ظل أزمة نووية غير مسبوقة وحشد عسكري ضخم في الخليج وبحر عُمان.
وبينما يلوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمهلة زمنية «من 10 إلى 15 يومًا» أمام طهران للتوصل إلى اتفاق نووي جديد أو مواجهة «أمور سيئة للغاية»، تتحدّث تقديرات استراتيجية عن أن احتمال الضربة الأمريكية هو الأعلى منذ عقود، وإن ظل قرار الحرب الشاملة غير محسوم.
حشد عسكري أمريكي غير مسبوقخلال الأسابيع الأخيرة، كثّفت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشرق الأوسط، عبر إرسال حاملات طائرات ومدمرات وسفن حربية وغواصات قادرة على تنفيذ موجات متتالية من الضربات ضد أهداف داخل العمق الإيراني
تقارير أمريكية تحدّثت عن تمركز حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» في المنطقة، مع توقع وصول الحاملة «جيرالد فورد» قريبًا، إلى جانب ست مدمرات وثلاث سفن قتال ساحلي وأنظمة دفاع جوي متطورة، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن تريد جاهزية كاملة لأي قرار مفاجئ من البيت الأبيض.
هذا الحشد لا يقتصر على البحر، إذ أشارت مصادر في البنتاغون إلى وضع قاذفات بعيدة المدى، بينها قاذفات «بي-2»، في حالة تأهب قصوى، بالتوازي مع نقل أنظمة دفاع صاروخي من طراز «ثاد» إلى قواعد أمريكية في الخليج، بما يتيح حماية نسبية للقوات والمنشآت من أي ردّ إيراني صاروخي في حال اندلاع مواجهة.
كما تتحدث تقارير عن تنسيق عسكري وثيق مع إسرائيل واحتمال مشاركة محدودة في أي عملية تستهدف البرنامج النووي الإيراني أو قدرات الصواريخ الباليستية.
مهلة تفاوضية ضيقة وصفقة على حافة الهاويةرغم التصعيد، لا تزال الدبلوماسية حاضرة ولكن تحت ضغط الزمن والقوة. فبحسب مراكز بحثية وتقارير غربية، أبلغ ترامب القيادة الإيرانية عبر وسطاء أن أمامها فترة قصيرة لتقديم عرض نووي جديد يتضمن قيودًا أوضح على التخصيب والقدرات الصاروخية، وإلا فإن واشنطن ستتجه إلى خيار الضربة المحدودة على الأقل.
وتشير تقارير أخرى إلى أن مفاوضات غير مباشرة
يُفترض أن تُستأنف في جنيف في 26 فبراير الجاري، وسط حديث عن «صفقة مؤقتة» يمكن أن تجمّد التصعيد إذا قبلت طهران بضمانات إضافية وعمليات تفتيش أوسع.
في المقابل، تسعى طهران إلى كسب الوقت عبر إعداد «مقترح مضاد» تحفظ من خلاله جزءًا من مكاسب برنامجها النووي، مع إبداء استعداد مشروط للتفاوض على صيغة «عادلة ومتوازنة»، بحسب تصريحات رسمية إيرانية.
لكن تقديرات أمريكية ترى أن إيران لن تقدّم تنازلات جوهرية، وأنها تراهن على أن ترامب لا يريد التورط في حرب واسعة في عام انتخابي داخلي شديد الاستقطاب، وأن الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الداخلية قد تجعل أي مغامرة عسكرية مخاطرة سياسية كبرى.
إيران بين التهديد بالرد وهاجس الانهيار الداخلي
على الضفة الأخرى، تصرّ القيادة الإيرانية على أن أي هجوم أمريكي سيقود إلى «حرب إقليمية» تشمل استهداف القواعد والقوات الأمريكية في المنطقة، إلى جانب إسرائيل وحلفاء واشنطن في الخليج، كما لوّح بذلك المرشد الأعلى ومسؤولون عسكريون بارزون.
وتراهن طهران على شبكة واسعة من الحلفاء والجماعات الموالية لها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، القادرة على فتح جبهات متعددة واستنزاف القوات الأمريكية وحلفائها عبر هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة وعمليات غير متكافئة.
لكن هذه اللهجة التصعيدية تخفي في الوقت ذاته هشاشة داخلية غير مسبوقة؛ فإيران تعاني من أزمة اقتصادية حادة وعقوبات خانقة واحتجاجات شعبية واسعة النطاق منذ أواخر العام الماضي، مع تقارير حقوقية تتحدث عن آلاف القتلى والمعتقلين في حملات القمع، ما يضع النظام تحت ضغط داخلي هائل.
ويرى محللون أن هذا المزيج من الضعف الداخلي والرغبة في إظهار القوة الخارجية يزيد خطر سوء الحسابات، سواء من جانب طهران أو واشنطن، ويفتح الباب أمام انزلاق غير مقصود إلى مواجهة أوسع.
سيناريوهات الضربة المحتملة
التقديرات الاستراتيجية تميل إلى أن أي عمل عسكري أمريكي – في حال اتخاذ القرار – سيبدأ على الأرجح بضربات «جراحية» محدودة تستهدف منشآت نووية حساسة، مثل مواقع التخصيب المحصّنة ومنشآت الصواريخ ومقار الحرس الثوري، في محاولة لتقليص القدرات الإيرانية دون الانجرار إلى حرب شاملة.
سيناريوهات أخرى تحدّثت عنها تقارير إعلامية تشمل توجيه ضربات تستهدف شخصيات قيادية أو بنية القيادة والسيطرة، في إطار ما يشبه «ضربة تأديبية» لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أقل تشددًا.
غير أن خبراء عسكريين يحذرون من أن قدرة واشنطن على ضبط سقف التصعيد محدودة، إذ قد ترى إيران في أي استهداف لمنشآتها النووية أو لقياداتها تهديدًا وجوديًا للنظام، ما يدفعها إلى ردّ واسع يتجاوز الردود الرمزية، مع احتمال استهداف ممرات الطاقة في الخليج وقواعد أمريكية في أكثر من دولة، وهو ما قد يرفع تكلفة الحرب على الاقتصاد العالمي وعلى أمن المنطقة.
بين الحرب والسلام: المنطقة تترقب
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن السؤال لم يعد «هل ستضرب أمريكا إيران؟» بقدر ما أصبح «ما حجم الضربة المحتملة، وكيف سيكون الرد الإيراني، وهل يمتلك الطرفان القدرة على التراجع قبل الانفجار الكبير؟».
فالمؤشرات الميدانية – من حشد القوات ورفع الجاهزية وتعليق رادع على «أرمادا» بحرية تتحرك في اتجاه الخليج – ترفع منسوب القلق لدى العواصم الإقليمية والدولية من أن خطأ واحدًا في الحساب أو هجومًا خارج السيطرة من إحدى الميليشيات قد يكون الشرارة التي تشعل مواجهة واسعة.
في المقابل، لا تزال هناك نوافذ ضيقة للتهدئة، من خلال مسار جنيف ومحاولات الوسطاء الأوروبيين والإقليميين دفع الطرفين إلى صفقة توازن بين «الردع» و«عدم الانفجار».










