استخدمت المجر حق النقض مرتين متتاليتين لتعطيل قرض طارئ بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا، وعرقلة الحزمة العشرين من العقوبات الأوروبية ضد روسيا، في خطوة تكشف هشاشة آلية اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي وتضع بروكسل أمام صدام بين الأمن الطاقي والوحدة السياسية
بروكسل – 23 فبراير 2026 – المنشر الإخبارى
في تصعيد دبلوماسي غير مسبوق، استخدمت المجر حق النقض مرتين متتاليتين لتعطيل إقرار قرض طارئ بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا، وفي الوقت نفسه أوقفت الحزمة العشرين من العقوبات الأوروبية ضد روسيا، ما يضع الاتحاد الأوروبي أمام معادلة معقدة بين حماية أمن الطاقة ووحدة الموقف السياسي تجاه الحرب المستمرة في أوكرانيا.
الموقف المجري… أزمة داخلية أم تحدٍ للاتحاد؟
بررت بودابست موقفها بأزمة مرتبطة بتعطل إمدادات النفط عبر خط أنابيب “دروجبا”، متهمة كييف بالتسبب في وقف صادرات الديزل إلى أوكرانيا، وهو ما جعل موقفها من القرض الطارئ والحزمة العقابية ضد روسيا متشابكًا مع مصالحها الوطنية. الخلاف أظهر هشاشة آلية اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي، حيث يمكن لدولة واحدة تعطيل مشاريع استراتيجية، حتى لو كانت تمس مصالح دولة عضو أخرى أو أمن القارة بشكل عام.
ويشير المحللون إلى أن تصرف المجر يعكس تقاطعًا متزايدًا بين الحسابات الداخلية والاعتبارات الخارجية، خاصة مع العلاقات الوثيقة التي تجمع بودابست بواشنطن، والدعم المتبادل مع التيار الجمهوري الأمريكي، والذي عزز مؤخرًا من خلال زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى أوربان، ما يمنح الحكومة المجرية هامش مناورة أوسع قبل الاستحقاقات الانتخابية القادمة.
هشاشة القرار الأوروبي وانعكاساتها
تكرار استخدام المجر لحق النقض المزدوج كشف عن هشاشة المؤسسات الأوروبية، حيث يعتمد الاتحاد في ملفات السياسة الخارجية على إجماع الدول الأعضاء، ما يتيح لدولة واحدة تعطيل ملفات متعددة مرتبطة، وربط قضايا غير مترابطة في سلسلة من الإجراءات التصحيحية أو العقابية، وهو ما يجعل الاتحاد أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على وحدة الموقف تجاه روسيا، وضمان دعم أوكرانيا في مواجهة الغزو المستمر، دون المساس بأمن الطاقة الأوروبي، الذي يعتمد على واردات النفط والديزل الروسي.
تزامن هذا الخلاف مع الذكرى الرابعة للحرب في أوكرانيا، ما يزيد من الضغط على بروكسل لتقديم حلول عاجلة، خصوصًا وأن توقف الدعم المالي قد يضع أوكرانيا في مأزق اقتصادي خطير، ويحد من قدرتها على تمويل العمليات العسكرية والصمود أمام التهديدات الروسية.
تداعيات محتملة على الأمن الأوروبي
يقوم الخلاف المجري بفتح تساؤلات حول مستقبل العقوبات الأوروبية، ومدى قدرتها على الاستمرار في تطبيق استراتيجيات الضغط على روسيا دون وحدة أوروبية كاملة. كما يسلط الضوء على الانقسامات الداخلية داخل الاتحاد، والتي قد تؤدي إلى مزيد من التردد في اتخاذ القرارات المصيرية، خصوصًا فيما يتعلق بتأمين إمدادات الطاقة الحيوية للدول الأعضاء الأكثر اعتمادًا على النفط الروسي.
وأكد مسؤولون أوروبيون أن الاتحاد يدرس اتخاذ إجراءات مضادة ضد المجر، لكن الخيارات محدودة في ظل الحقائق الدستورية التي تمنح بودابست القدرة على تعطيل القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية. وتبقى المسألة مفتوحة على كل الاحتمالات، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات في بودابست، ما يزيد من حساسية الموقف السياسي ويجعل من أي تحرك ضد الحكومة المجريّة خطوة محفوفة بالمخاطر.
السياسة الأوروبية بين التوازن والأزمة
يعكس الموقف المجري مدى التحديات التي تواجه الاتحاد الأوروبي في تحقيق توازن بين حماية مصالح الدول الأعضاء، والحفاظ على موقف موحد ضد روسيا، وفي الوقت نفسه تقديم دعم مالي وسياسي فاعل لأوكرانيا. فبينما تسعى بروكسل لتأكيد التضامن الأوروبي، يظهر أن الدول الكبرى ليست بمنأى عن المصالح الوطنية الضيقة، والتي قد تعرقل الخطط الأوروبية وتضع القارة أمام مفاضلات صعبة بين الأمن والسياسة والدعم المالي الحيوي.
فيتو المجر المزدوج يضع أوراق اللعبة الأوروبية على الطاولة مجددًا، ويكشف عن هشاشة القرار المشترك داخل الاتحاد، ويعيد فتح النقاش حول دور الدول الصغيرة مقابل القوى الكبرى في صناعة السياسة الخارجية. وأوكرانيا، في المقابل، تواجه خطر تعطيل دعمها المالي الحيوي في وقت يزداد فيه الاعتماد على مواردها الداخلية، وسط استمرار الحرب التي لم تظهر أي مؤشرات على التهدئة.
المعركة الأوروبية على دعم أوكرانيا ومواجهة روسيا تتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الاتحاد على تجاوز الانقسامات الداخلية، وتحقيق توازن بين مصالح الدول الأعضاء، وضمان استقرار القارة في وقت تتصاعد فيه التحديات الدولية.










