تدخل تركيا عام ٢٠٢٦ وهي محمّلة بإرث ثقيل من الأزمات السياسية والاقتصادية التي تفجرت في ٢٠٢٥، في وقت تحاول فيه حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان إعادة ضبط التوازن بين القبضة الأمنية في الداخل وطموحاتها الإقليمية في الخارج.
وبينما تحيي أنقرة الذكرى الثالثة لزلزال فبراير ٢٠٢٣ الذي صنّف كأسوأ كارثة في تاريخ البلاد، تتجدد أسئلة الشارع التركي حول كلفة إعادة الإعمار، وتآكل القدرة الشرائية، ومستقبل العملية السياسية في ظل تضييق متصاعد على المعارضة.
تصعيد ضد المعارضة ومحاكمات مفصلية
على الصعيد الداخلي، تواصل الحكومة استهداف حزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري، عبر ملاحقات قضائية واعتقالات طالت رموزه البارزين، وعلى رأسهم عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو الذي أوقفته السلطات ووجّهت له ولأكثر من ٤٠٠ شخص آخرين اتهامات بالفساد، في قضية من المقرر أن تبدأ محاكمتها في ٩ مارس ٢٠٢٦، ما يجعلها واحدة من أكثر المحاكمات حساسية في تاريخ الحياة السياسية التركية الحديثة.
وترى منظمات حقوقية أن هذه الموجة من الدعاوى تمثل، عمليًا، محاولة ممنهجة لإقصاء المنافسين السياسيين من الحلبة الانتخابية، وتقويض التعددية وإفراغ المؤسسات المنتخبة من محتواها.
هذا المسار يتقاطع مع تحليلات تتحدث عن تشكل “تركيا أحادية الكتلة”، في إشارة إلى تكثيف السيطرة على القضاء والسياسة والاقتصاد لصالح دائرة ضيقة من السلطة، وسط تراجع ملحوظ في مؤشرات الشفافية ومكافحة الفساد، حيث تراجعت تركيا إلى المرتبة ١٢٤ من أصل ١٨٢ دولة في تقرير منظمة الشفافية الدولية، وهو مؤشر على عمق الأزمة المؤسسية التي تعيشها البلاد.
الملف الكردي بين مسار السلام والقبضة الأمنية
في موازاة ذلك، يعود الملف الكردي إلى الواجهة مع حديث عن مساعٍ لإنهاء نزاع مسلح استمر أربعة عقود مع حزب العمال الكردستاني، بالتزامن مع تشدد أمني متزايد في الجنوب الشرقي وعلى الحدود السورية.
فبحسب تقارير سياسية، يضغط الجناح القومي داخل الحكومة باتجاه مقاربة أكثر صرامة تجاه الأكراد في سوريا والعراق، تحت شعار “تركيا بلا إرهاب”، بينما تتحدث تسريبات عن قنوات غير معلنة تبحث ترتيبات لوقف إطلاق نار وربطه بحزمة إصلاحات سياسية وقانونية.
في هذا السياق، يشير تقرير برلماني حديث صوّتت عليه لجنة في البرلمان التركي إلى “خارطة طريق” لربط نزع سلاح حزب العمال الكردستاني بسلسلة من الإصلاحات القانونية، في محاولة لإطلاق عملية سلام مشروطة، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المساومات بين أنقرة والفاعلين الأكراد إذا ما تم تجاوز عُقد الثقة المتراكمة.
اقتصاد مثقل بالتضخم وتراجع القدرة الشرائية
اقتصاديًا، يبقى التضخم العنوان الأبرز في حياة الأتراك اليومية، رغم محاولات الحكومة تطمين الأسواق عبر التأكيد على استمرار سياسة نقدية مشددة.
فقد أعلن نائب الرئيس جودت يلماز أن أنقرة ستواصل الالتزام بسياسة نقدية صارمة وانضباط مالي من أجل خفض التضخم، بعد تسجيل أسعار المستهلكين قفزة شهرية بلغت نحو ٤,٨٤٪ في يناير، مع تراجع طفيف لمعدل التضخم السنوي إلى حوالي ٣٠,٦٥٪، وهو مستوى لا يزال الأعلى في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وفق تقديرات أخرى.
هذا الواقع ينعكس مباشرة على مستوى معيشة الأسر التركية التي تواجه ارتفاعًا في أسعار الغذاء والسلع الأساسية، بينما يستمر الجدل حول فعالية مزيج السياسات النقدية والمالية في كبح دوامة الأسعار دون خنق النمو والاستثمار.
كما تبحث الحكومة عن حلول تكاملية عبر سياسات “جانب العرض”، مثل دعم الإنتاج الزراعي والصناعي، وتشجيع الاستثمارات، للتخفيف من الضغط التضخمي، في وقت تشير بيانات رسمية إلى عائدات سياحية تجاوزت ٦٤ مليار دولار في ٢٠٢٥، ما يجعل القطاع رئة أساسية للاقتصاد.
مجتمع بين آثار الزلزال وتصاعد العنف
على المستوى الاجتماعي، لا تزال تداعيات زلزال فبراير ٢٠٢٣ حاضرة في الذاكرة الجمعية، مع استمرار برامج إعادة الإعمار في ١١ ولاية متضررة، وحديث رسمي عن دروس مستفادة في معايير البناء والاستجابة للكوارث
وألقى الرئيس أردوغان مؤخرًا خطابًا في الذكرى الثالثة للكارثة، وصف فيه الزلزال بأنه “أسوأ كارثة في تاريخ تركيا”، مؤكدًا أن الحكومة تواصل العمل لاستكمال مشاريع الإسكان والبنية التحتية وتعويض المتضررين.
في المقابل، شهدت بعض المناطق التركية مؤخرًا تصاعدًا في أعمال العنف المرتبطة بسقوط زعيم عصابة مسلحة واندلاع أعمال انتقامية، ما أدى إلى إغلاق طرق وتدخل أمني كثيف وتحذيرات للسكان بعدم الخروج إلا للضرورة، وهو ما يسلّط الضوء على تحديات أمنية داخلية موازية للتحديات السياسية والاقتصادية
سياسة خارجية على خطوط التماس الإقليميةخارجيًا، تستعد أنقرة لاجتياز عام حافل بالاختبارات في ملفاتها الإقليمية، من سوريا وغزة إلى البحر الأسود وشرق المتوسط.
تحاول تركيا الحفاظ على ما تسميه “الاستقلالية الاستراتيجية” في سياستها الخارجية، عبر موازنة علاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي، مع استمرار دورها في وساطات متعلقة بالحرب في أوكرانيا وأمن البحر الأسود، إلى جانب الانخراط النشط في ملفات غزة والعلاقات مع إسرائيل.
في ليبيا، يلاحظ مراقبون أن الدور التركي تطور من “ضامن” لحكومة طرابلس إلى “مدير مخاطر”، مع فتح قنوات موازية مع المشير خليفة حفتر شرق البلاد، بهدف حماية الاتفاق البحري وتأمين موطئ قدم في مشاريع إعادة الإعمار، ضمن مقاربة براغماتية تركّز على المصالح الاقتصادية والأمنية.
كما تسعى أنقرة إلى الاستفادة من التقارب مع حلفائها الخليجيين، وقد وقّعت مؤخرًا اتفاقًا مع السعودية لتعزيز الاستثمارات في قطاع الطاقة الشمسية، في خطوة تعكس توجهًا لتعميق الشراكات الاقتصادية مع دول المنطقة.
في الوقت ذاته، تُبقي تركيا عينًا على فرص الاندماج في التحولات الدفاعية والصناعية في أوروبا، وتعزيز صادرات الصناعات الدفاعية، مع الحرص على إبقاء قنوات التنسيق مفتوحة مع واشنطن في ملفات حساسة مثل سوريا، رغم تباينات مستمرة حول الوجود العسكري والتنظيمات الكردية المسلحة شمال البلاد.









