الجنرال المخضرم يعيد ترتيب الأوراق العسكرية والدبلوماسية في طهران عشية جولة حاسمة من التوتر مع واشنطن
طهران – 25 فبراير 2026 – المنشر الإخبارى
في الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات بين إيران والولايات المتحدة على خلفية الملف النووي، يبرز علي شمخاني، المستشار المقرب للزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، كأحد أبرز اللاعبين في صنع القرار العسكري والدبلوماسي لطهران. الجنرال المخضرم، الذي تجاوز السبعين من عمره، أعاد رسم معادلة القوة الإيرانية داخليًا وخارجيًا، مستندًا إلى خبرته الطويلة في الحرس الثوري وإدراكه العميق للتوازن بين الضغط العسكري والسياسة الدبلوماسية.
منذ تعيينه أمينًا لمجلس الدفاع الإيراني هذا العام، بعد حرب قصيرة وقاسية استمرت 12 يومًا بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025، أصبح شمخاني المسؤول الأول عن تنسيق الاستراتيجيات العسكرية الإيرانية، مع التركيز على مواجهة أي تهديد أميركي محتمل. ويقول مقربون منه إن دوره لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد ليشمل رسم خطوط السياسة العامة الإيرانية في مواجهة العقوبات والضغوط الدولية.
الجنرال الذي أصقلته الحروب
ولد علي شمخاني في عام 1955 في إقليم خوزستان، المنطقة الغنية بالنفط، ونشأ في بيئة عربية داخل الجمهورية الإسلامية. انضم إلى صفوف الحرس الثوري الإيراني مع اندلاع الحرب الإيرانية–العراقية، ليشارك في الدفاع عن مسقط رأسه ضد قوات صدام حسين. سرعان ما تدرج في الرتب حتى أصبح نائبًا للقائد العام للحرس الثوري، قبل أن يتولى قيادة القوات البرية ويصبح شخصية محورية في هيكلة الدفاع البري والبحري لإيران.
تجربته العسكرية الواسعة جعلته قادرًا على إدارة التعقيدات التي تواجهها إيران في أي مواجهة مع القوى الكبرى، وخصوصًا الولايات المتحدة وإسرائيل. فخلال حرب يونيو 2025، التي طاولت منشآت نووية ومواقع عسكرية إيرانية، أظهر شمخاني قدرة فائقة على تنظيم الدفاعات والتعامل مع الضغوط العسكرية المباشرة، ما أكسبه سمعة قوية داخل أروقة صنع القرار.
دور مزدوج: العسكري والدبلوماسي
لم يقتصر تأثير شمخاني على الخطوط الأمامية، بل امتد إلى ساحة الدبلوماسية. فقد تقلّد منصب وزير الدفاع خلال حكومة الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي (1997–2005)، وزار المملكة العربية السعودية، في خطوة تاريخية هدفت إلى تهدئة التوتر الإقليمي بعد عقود من القطيعة. في السنوات الأخيرة، لعب دورًا محوريًا في محادثات استعادة العلاقات مع الرياض بوساطة صينية، ما أظهر قدرته على المزج بين الصرامة العسكرية والمرونة الدبلوماسية.
خلال المفاوضات النووية السابقة، وخصوصًا بين 2015 و2018، شارك شمخاني في إدارة تنفيذ الاتفاق النووي وإدارة تبعات انسحاب واشنطن منه، مع دعم سياسات تقوية التفاوض الإيراني، بما في ذلك رفع مستوى تخصيب اليورانيوم. تصرفاته أكسبت إيران أوراق ردع قوية، وأكدت أن طهران لن تتخلى بسهولة عن مكاسبها النووية، بينما تبقي الباب مفتوحًا للدبلوماسية وفق شروطها.
مواجهة واشنطن: حسابات القوة والردع
في ظل التصعيد الأخير، يؤكد شمخاني أن أي “ضربة محدودة” من الولايات المتحدة ستعتبر بمثابة إعلان حرب، وسيتم الرد عليها فورًا وبشكل شامل، مستهدفًا قلب تل أبيب وكل من يدعم الهجوم. تصريحات مماثلة تهدف إلى إرسال رسالة واضحة إلى واشنطن بأن إيران مستعدة لأي سيناريو، سواء التفاوض أو التصعيد العسكري.
بالتزامن، تواصل القوات الإيرانية تعزيز منشآتها الصاروخية والبحرية، مع تطوير أنظمة دفاع جوي ومحاكاة سيناريوهات متعددة للتصدي لأي هجوم محتمل. وتشير مصادر إيرانية إلى توقيع اتفاقات تسليح مع موسكو وبكين تشمل صواريخ مضادة للسفن ومنظومات دفاع جوي متقدمة، لتعزيز القدرة العسكرية في مواجهة أي تدخل خارجي.
السياسة الداخلية: التوازن بين الاحتجاج والضبط
لا يغفل شمخاني البعد الداخلي، حيث تشهد الجامعات والمدن الإيرانية احتجاجات متكررة على سياسات الحكومة والقيادة العليا. يرى المحللون أن ردود الفعل المتشددة أو المتوازنة تجاه هذه الاحتجاجات تؤثر مباشرة على موقف إيران في المفاوضات الخارجية، خاصة مع واشنطن، التي تراقب بدقة التطورات الداخلية.
وفي هذا السياق، تؤكد الحكومة على حق الطلاب في التظاهر، لكنها تحدد “الخطوط الحمراء” مثل الإساءة للرموز الوطنية، الأمر الذي يعكس حرص طهران على ضبط الشارع دون خنق أي حراك سياسي يمكن أن يستغل دولياً ضدها.
التحديات الاقتصادية والعقوبات
يواجه شمخاني أيضًا تحديًا اقتصاديًا كبيرًا، إذ تستمر العقوبات الأميركية والأوروبية في تقويض الاقتصاد الإيراني. استهداف عائلته والشركات المرتبطة بها بعقوبات أمريكية كشف عن شبكة معقدة من الأنشطة التي دعمت قدرة إيران على الالتفاف حول العقوبات، خاصة في قطاع النفط والنقل البحري.
رغم الانتقادات، بقي شمخاني صامدًا، معتمدًا على خبرته في ربط التحركات الاقتصادية بالعسكرية، لضمان قدرة إيران على الاستمرار في برامجها الدفاعية والنووية، دون أن تتأثر استراتيجيتها الوطنية الكبرى.
خريطة القرار الاستراتيجي: من الحرب إلى الدبلوماسية
يعمل شمخاني على إعادة ترتيب الأوراق في مجلس الدفاع الإيراني بحيث يصبح القرار أكثر تماسكًا بين الأبعاد العسكرية والدبلوماسية. المجلس الجديد ينسق بين القوات المسلحة والهيئات الأمنية لضمان الاستعداد لأي سيناريو، مع الحفاظ على قناة دبلوماسية مفتوحة مع الأطراف الدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
ويعتبر مراقبون أن إعادة الهيكلة هذه تهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: الردع العسكري الفعال، ضمان استمرارية المفاوضات النووية، والحفاظ على مكانة إيران الإقليمية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة يمكن أن تؤدي إلى خسائر فادحة.
الحساب الإقليمي والدولي
في الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات مع واشنطن، تظل إيران حريصة على عدم إشعال مواجهة واسعة تشمل لبنان والأردن وسوريا. دعا وزير الخارجية اللبناني، يوسف رجي، “حزب الله” إلى تجنب أي مغامرات قد تؤدي إلى دمار إضافي، بينما أكد الأردن أن أراضيها لن تكون ساحة صراع. هذه المعطيات الإقليمية تلعب دورًا مهمًا في حسابات شمخاني، الذي يوازن بين تعزيز القوة الردعية والحفاظ على استقرار الجبهة الداخلية والخارجية.
استنتاج: العقل المدبر خلف خريطة المواجهة
علي شمخاني اليوم ليس مجرد مستشار لخامنئي، بل العقل المدبر الذي ينسق بين السياسة والدبلوماسية والجيش لضمان قدرة إيران على مواجهة أي تهديد. خبرته التي تمتد لأكثر من أربعة عقود، وتجاربه في الحرب والدبلوماسية والاقتصاد، تمنحه القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة تؤثر على مستقبل الجمهورية الإسلامية.
سواء نجحت المفاوضات النووية أو فشلت، فإن وجود شمخاني في قلب القرار يمنح طهران قدرة على المناورة في مواجهة واشنطن، ويعكس رغبتها في الحفاظ على التوازن بين الردع العسكري والخيارات الدبلوماسية، مع محاولة تقليل التداعيات السلبية على الداخل الإيراني والمنطقة بأسرها.










