إشكالية إجراء الانتخابات في إقليم تيجراي باتت واحدة من أعقد ملفات المشهد الإثيوبي قبيل الانتخابات العامة المقررة في يونيو 2026، وسط نزاع دستورى وحدودى مفتوح ومخاوف حقيقية من انزلاق جديد نحو الحرب.
تعود أزمة الانتخابات في إقليم تيجراي لتتصدر المشهد الإثيوبي مجددًا، مع اقتراب موعد الانتخابات العامة السابعة في البلاد في الأول من يونيو 2026، وسط نزاع حاد بين الحكومة الفيدرالية والإدارة المؤقتة لتيجراي حول كيفية تنظيم الاقتراع في الإقليم وحدوده ومناطق النفوذ فيه.
فبعد حرب مدمرة بين 2020 و2022 أودت بحياة مئات الآلاف، كان يُفترض أن تشكل اتفاقية بريتوريا للسلام نقطة بداية لعودة تيجراي إلى الحياة السياسية الطبيعية، لكن الخلافات الدستورية والحدودية حوّلت ملف الانتخابات إلى اختبار مصيري لسلام هش.
قرار انتخابي يفجّر الخلاف
جوهر الإشكالية الراهنة يتمثل في قرار المفوضية الوطنية للانتخابات والهيئات الفيدرالية باستبعاد خمس دوائر متنازع عليها على الحدود بين تيجراي وإقليم أمهرة من الانتخابات الإقليمية، مع قصر مشاركة الناخبين فيها على اختيار ممثليهم في البرلمان الفيدرالي فقط خلال انتخابات يونيو.
هذه الدوائر – حميرا، أديريمتس، كورِم أفلا، تيليمت، وألاماتا – كانت من أبرز نقاط التوتر خلال الحرب، ولا تزال خاضعة لسيطرة قوى حليفة للحكومة من إقليم أمهرة رغم النص فى اتفاق بريتوريا على معالجة ملف الحدود وعودة النازحين.
الإدارة المؤقتة لتيجراي سارعت إلى رفض القرار، واعتبرته انتهاكًا صريحًا للدستور الفيدرالي ولاتفاق بريتوريا، محذّرة من «عواقب خطيرة وبعيدة المدى» على الاستقرار الوطني إذا لم يتم التراجع عنه.
بيان صادر من ميكيلي اتهم السلطات الفيدرالية بـ«نزع الولاية الإقليمية» عن مناطق تعتبرها تيجراي جزءًا أصيلًا من حدودها الدستورية، وباتخاذ قرارات مصيرية «دون تمثيل أو موافقة شعب تيجراي».
تاريخ طويل من التنازع الدستوري
إشكالية انتخابات تيجراي ليست وليدة اللحظة؛ فالإقليم سبق أن دخل في مواجهة مفتوحة مع أديس أبابا عام 2020 عندما نظم انتخابات إقليمية منفردة، متحديًا قرار الحكومة بتأجيل الاقتراع الوطني بسبب جائحة كورونا، وهو ما اعتبرته الغرفة العليا للبرلمان الإثيوبي آنذاك «غير دستورى وباطل».
ردّ الفعل المتبادل – بين اعتبار فيدرالي لسلطات تيجراي بأنها فقدت الشرعية، وإعلان من الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي بأن الحكومة الفيدرالية غير شرعية بعد تجاوز ولايتها الدستورية – مهّد الطريق لحرب شرسة وانهيار عملي لفاعلية الدستور كمرجعية جامعة.
اليوم، ومع اقتراب انتخابات 2026، تعود نفس الأسئلة الدستورية إلى الواجهة: من يملك سلطة ترسيم الحدود الانتخابية؟ وكيف يمكن إجراء انتخابات ذات مصداقية في إقليم لم تُحسم أوضاعه الإدارية والسياسية بعد حرب طاحنة؟
تقارير تحليلية تحذر من أن استمرار «الضبابية الدستورية» قد يعمق فقدان الثقة بين المركز والإقليم، ويقوّض فرص بناء نظام اتحادي مستقر في دولة شديدة التنوع.
تيجراي بين غياب الوضع القانوني ورفض «انتخابات منقوصة»تعقّد المشهد أكثر بفعل وضع الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي (TPLF)، القوة السياسية والعسكرية الرئيسية في الإقليم، التي لم يُجدّد ترخيصها الحزبي بالكامل بعد الحرب، وسط انقسامات داخلية وتوتر مع الحكومة الفيدرالية حول تنفيذ بنود اتفاق السلام.
الجبهة أعلنت بوضوح أواخر 2025 أنها لا تقبل إجراء انتخابات في تيجراي «دون استعادة وضعها القانوني الكامل وحقوق الإقليم الدستورية»، معتبرة أن تنظيم اقتراع في ظل هذا الغموض يمثل خرقًا لاتفاق بريتوريا وروح المصالحة.
في الوقت ذاته، يعاني الإقليم من تحديات ميدانية تجعل إجراء اقتراع شامل مهمة شبه مستحيلة؛ فالبنية التحتية لا تزال مدمّرة في مناطق واسعة، ومئات آلاف النازحين لم يعودوا إلى بلداتهم، ما يطرح أسئلة حول عدالة توزيع الدوائر وسجلات الناخبين وحق من غادروا في المشاركة.
هذا الواقع يعزز حجج القوى المحلية التي ترى أن أي انتخابات تُجرى الآن ستكون «ناقصة التمثيل» وغير قادرة على إنتاج سلطة تحظى بشرعية داخلية حقيقية.
مواقف إقليمية ودولية وتحذيرات من «برمي بارود»التصعيد السياسى حول ملف الانتخابات استدعى تحركات إفريقية ودولية حذرة؛ فالاتحاد الإفريقي، الذي رعى اتفاق بريتوريا، دعا في بيانات متكررة إلى ضبط النفس، وحثّ الأطراف على حل الخلافات عبر الحوار والالتزام بروح الاتفاق، مع التأكيد على أن العودة إلى العنف في تيجراي «ستقوّض إنجازات السلام» وتزعزع استقرار القرن الإفريقي بالكامل.
الاتحاد الأوروبي بدوره أعرب مؤخرًا عن «قلق بالغ» تجاه الاشتباكات والتوترات المتجددة في شمال البلاد، وطالب بخفض التصعيد فورًا، والتقيد التام باتفاق وقف الأعمال العدائية.
من ناحية أخرى، تحذر تقارير بحثية من أن التداخل بين النزاع الانتخابي والخلاف الحدودى مع إقليم أمهرة، إلى جانب التوتر مع إريتريا، جعل من تيجراي «برميل بارود» يمكن أن ينفجر إذا فشل المسار السياسي.
فقرار استبعاد الدوائر المتنازع عليها من انتخابات الإقليم يُنظر إليه في ميكيلي على أنه تثبيت أمر واقع لصالح حلفاء أديس أبابا، بينما يراه المركز خطوة مؤقتة «إجرائية» إلى حين حسم الملف أمام مجلس الاتحاد المختص بالقضايا الدستورية.
سيناريوهات ما بعد قرار المفوضية
أمام هذا التعقيد، تتراوح السيناريوهات بين ثلاثة مسارات رئيسية يطرحها مراقبون: الأول، التراجع الجزئي عن قرارات المفوضية والبحث عن صيغة انتقالية للتمثيل في الدوائر المتنازع عليها، بما يخفف غضب تيجراي ويمنع انفجارًا جديدًا؛ والثاني، المضي قدمًا في الانتخابات الفيدرالية مع ترك الإقليم في «منطقة رمادية» انتخابيًا، ما يكرّس أزمة شرعية طويلة الأمد؛ والثالث، انزلاق التوتر السياسي إلى مواجهات مسلحة مستجدة على خلفية الاحتكاك فى المناطق الحدودية الحساسة.
في المقابل، تراهن قوى داخلية وإقليمية على أن ضغوط الاتحاد الإفريقي والشركاء الدوليين، إلى جانب تراجع شهية الأطراف الكبرى لحرب جديدة بعد كلفة الصراع السابق، قد تدفع الجميع للبحث عن حل وسط يضمن مشاركة تيجراي فى العملية الانتخابية دون تكريس لوقائع حدودية مرفوضة.
إلا أن استمرار الخطاب المتشدد من ميكيلي وأديس أبابا، وتزايد الشعور بالغبن واللا ثقة لدى سكان الإقليم، يبقي السؤال مفتوحًا: هل ستكون انتخابات 2026 فرصة لترميم النظام الفيدرالي الإثيوبي، أم محطة جديدة في مسار تفككه تحت ضغط السلاح والنزاعات على الشرعية والحدود؟











