تشهد الرقة حراكًا انتخابيًا حذرًا مع بدء التحضير لاستكمال انتخابات مجلس الشعب السورى (مجلس الشعب/مجلس النواب) فى المحافظات التى تأخر فيها الاقتراع، بعد عام من أول انتخابات برلمانية تُجرى فى البلاد منذ سقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024.
ورغم أن مقاعد الرقة لا تزال من بين المقاعد الشاغرة فى تركيبة المجلس حتى فبراير 2026، فإن تحركات اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب فتحت الباب أمام استكمال الاستحقاق فى المحافظة، لكن وسط تعقيدات أمنية وسياسية وخلاف مع سلطات الأمر الواقع فى شمال شرق سوريا.
بعد مرور أكثر من عام على أول انتخابات برلمانية سورية فى مرحلة ما بعد الأسد، لا تزال محافظة الرقة خارج المعادلة الانتخابية الكاملة، مع بقاء مقاعدها شاغرة داخل مجلس الشعب، ما يجعل استكمال الاستحقاق فى هذه المحافظة اختبارًا حقيقيًا لقدرة السلطة الانتقالية على بسط شرعيتها فى الشمال الشرقى المضطرب.
وبينما تتحدث اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب عن استعدادات تقنية وقانونية لاستكمال الانتخابات فى الرقة، يرى مراقبون أن الإشكال الحقيقى سياسى يتعلق بطبيعة السيطرة على الأرض وتعدد السلطات وتباين الرؤى بين دمشق والإدارة الذاتية والقوى المحلية.
خلفية: برلمان بعد الأسد ومقاعد شاغرة للرقة
فى أكتوبر 2025، جرت أول انتخابات لمجلس الشعب السورى بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد فى ديسمبر 2024، عبر عملية اقتراع غير مباشرة اعتمدت على «هيئات ناخبة» بدلاً من تصويت شعبى مباشر فى معظم الدوائر.
وأسفرت تلك الجولة عن اختيار 119 نائبًا من أصل 140 مقعدًا منتخبًا فى مجلس يضم 210 أعضاء، على أن يُستكمل شغل بقية المقاعد لاحقًا فى المحافظات التى تعذر فيها الاقتراع لأسباب أمنية وسياسية، وبينها الرقة والحسكة والسويداء.
بحسب البيانات الرسمية، قررت اللجنة العليا حينها تأجيل الانتخابات فى الرقة لعدم توافر «البيئة الآمنة» فى مناطق واسعة من المحافظة الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، مع السماح بإجراء اقتراع محدود فى بعض المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة الانتقالية والفصائل المتحالفة معها.
ونتيجة ذلك، ظل جزء كبير من تمثيل الرقة غائبًا عن مجلس الشعب، فيما اعتبرت أطراف معارضة وكردية أن أى عملية انتخابات تستثنى مناطق واسعة من الشمال الشرقى «غير ممثلة لإرادة السكان».
انطلاق تشكيل الهيئة الناخبة فى الرقة
التطور الأبرز خلال فبراير 2026 كان إعلان اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب فتح باب الترشح لتشكيل «الهيئة الناخبة» فى الدائرة الانتخابية للرقة، فى خطوة اعتبرتها وسائل إعلام رسمية مقدمة عملية لاستكمال اختيار ممثلى المحافظة فى البرلمان.
ووفقًا لبيان اللجنة، ستضم الهيئة الناخبة فى دائرة الرقة 150 عضوًا مهمتهم انتخاب ثلاثة نواب عن المحافظة، بينما تُشكَّل هيئة من 50 عضوًا فى دائرة الطبقة لاختيار نائب واحد، فى حين سبق انتخاب ممثلى تل أبيض فى اقتراع محدود جرى فى أكتوبر الماضى.
اللجنة أوضحت أن اختيار أعضاء هذه الهيئات يتم عبر استقبال طلبات من شخصيات «سياسية واجتماعية ومهنية»، وبالتشاور مع وجهاء محليين وفرقاء سياسيين، مع الحديث عن تخصيص نسب تمثيل للمرأة والأشخاص ذوى الإعاقة، بهدف إعطاء العملية «طابعًا تمثيليًا أوسع».
غير أن طبيعة هذا الاختيار، وغياب التصويت الشعبى المباشر فى الرقة، يثيران تساؤلات حول مدى مصداقية وعدالة العملية، خصوصًا فى ظل اتهامات متكررة بأن معظم أعضاء الهيئات الناخبة فى الجولة الأولى كانوا محسوبين على أحزاب وتيارات قريبة من السلطة الانتقالية.
الرقة بين دمشق والإدارة الذاتية
معظم محافظة الرقة ما زال خاضعًا لسيطرة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية، التى تملك بدورها مؤسسات مدنية وهيئات سياسية، وتطرح مشروعًا مغايرًا فى بنية الحكم يقوم على اللامركزية والفدرالية الديمقراطية.
هذا الواقع الميدانى يعنى عمليًا أن أى انتخابات برلمانية تُدار من دمشق لن تشمل إلا الجيوب التى تسيطر عليها الحكومة أو الفصائل المتحالفة معها مثل تل أبيض وبعض المناطق الحدودية، وهو ما يحد من شمول العملية ويضع شرعيتها محل جدل واسع.
من جانبها، كانت الإدارة الذاتية قد نظمت – أو استعدت لتنظيم – انتخابات محلية وبلدية فى كانتون الرقة ضمن هيكلية «الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا»، حيث يُفترض أن يتوجه ملايين السكان فى سبع مقاطعات، بينها الرقة، إلى صناديق الاقتراع لاختيار مجالس محلية وبلديات.
ويرى مراقبون أن هذا التوازي بين مسارين انتخابيين – أحدهما برعاية دمشق والآخر تحت مظلة الإدارة الذاتية – يعكس استمرار الانقسام السياسى والجغرافى فى سوريا، ويضع سكان الرقة بين برلمان رسمى فى العاصمة وسلطات محلية بحكم الأمر الواقع فى الشمال الشرقى.
معركة الشرعية والتمثيل
إحدى الإشكاليات الأعمق فى انتخابات مجلس الشعب فى الرقة تتعلق بسؤال الشرعية: من يمثل الرقة حقًا فى البرلمان الجديد؟ وهل يمكن اعتبار النواب الذين يُنتخبون عبر هيئات محدودة العدد، وبعيدة عن غالبية السكان على الأرض، ممثلين حقيقيين لمجتمع محلى عاش سنوات من الحرب والتهجير والتغيير الديمغرافى؟
تقارير وتحليلات صحفية دولية أشارت إلى انتقادات واسعة للانتخابات البرلمانية السورية الأولى بعد الأسد، سواء لضعف مشاركة النساء والأقليات أو لاستبعاد مناطق كاملة بحجة الظروف الأمنية، ما جعل التمثيل البرلمانى يميل نحو رجال السياسة والتجار والوجهاء التقليديين أكثر من تمثيله لشرائح المجتمع المختلفة.
فى حالة الرقة، تزداد الأسئلة حدة بسبب رمزية المدينة التى كانت يومًا عاصمة لتنظيم داعش، ثم تحولت إلى نموذج لدمار الحرب وإعادة الإعمار البطيئة، ما يجعل تمثيلها فى مجلس الشعب مؤشرًا على جدية المشروع السياسى الجديد فى استيعاب الأطراف المهمشة.
كما أن استمرار شغور مقاعد الرقة فى البرلمان حتى الآن يعنى بقاء مساحة لا يستهان بها من المجتمع السورى بدون صوت تشريعى كامل، فى وقت يفترض أن يناقش المجلس قوانين تتعلق باللامركزية، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين، والعدالة الانتقالية.
سيناريوهات ما بعد تشكيل الهيئة الناخبة
مع بدء استقبال طلبات الانضمام إلى الهيئة الناخبة فى الرقة، تتجه الأنظار إلى الكيفية التى ستتعامل بها دمشق مع التحديات الأمنية والسياسية فى المحافظة، وما إذا كانت ستسعى إلى تفاهمات مع الإدارة الذاتية لتأمين مشاركة أوسع فى العملية الانتخابية أم ستكتفى باقتراع محدود فى مناطق نفوذها الحالى.
ويرجح محللون أن تستمر الانتخابات فى إطارها الحالى القائم على «المرحلية» واستغلال أى تحسن أمنى أو تفاهم سياسى لعقد اقتراع جزئى يملأ بعض المقاعد الشاغرة دون انتظار تسوية شاملة.
فى كل الأحوال، تبدو انتخابات مجلس الشعب فى الرقة أكبر من مجرد استحقاق إجرائى لملء مقاعد فارغة؛ فهى اختبار لقدرة الدولة السورية الجديدة على إعادة دمج المناطق الخارجة عن سيطرتها وبناء جسر سياسى مع سلطات الأمر الواقع هناك، واختبار فى الوقت نفسه لمدى قابلية سكان الرقة للانخراط فى مؤسسات مركزية بعد تجربة قاسية مع الحرب والتطرف والتهميش.
وبين برلمان يسعى لاستكمال نصابه فى دمشق، وإدارة ذاتية تطمح لترسيخ نموذجها فى الشمال الشرقى، تبقى الرقة ساحة مفتوحة لصراع النفوذ والشرعية، بانتظار تسوية أوسع قد تجعل من الانتخابات القادمة خطوة أولى نحو استقرار سياسى ما زال بعيد المنال.










