اليونان تتطلع إلى أن تكون بوابة الغاز الطبيعي لأوروبا في ظل أزمة إمدادات الطاقة
في مواجهة معضلة الاعتماد على الغاز الروسي، تعلن أثينا طموحها لتبوأ دور محوري في توجيه واردات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، في إطار تغيّر خريطة الطاقة العالمية واستراتيجيات أمن الطاقة.
روما – 25 فبراير 2026 – المنشر الإخباري
في مرحلة حسّاسة تتزايد فيها الضغوط على أسواق الطاقة الأوروبية، أعلنت اليونان عن طموح جريء يستهدف وضعها في قلب الإمدادات الجديدة للغاز الطبيعي المسال إلى القارة. تقول الحكومة اليونانية إن بلادها تود أن تصبح “البوابة الجنوبية” لواردات الغاز المُسال التي يحتاجها الاتحاد الأوروبي بعد سعيه المتواصل للابتعاد عن الاعتماد على الغاز الروسي بشكل كامل بحلول عام 2027.
هذا التحوّل في الاستراتيجية لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تراكمات جيوسياسية عميقة اثرت في سياسة الطاقة الأوروبية خلال السنوات الماضية، ودفعت دولًا مثل اليونان إلى إعادة صياغة دورها في خريطة الطاقة الدولية.
أزمة الطاقة الأوروبية… من الاعتماد إلى التنويع
قبل اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية، كان الغاز الروسي يشكل نسبة كبيرة من واردات الاتحاد الأوروبي. لكن مع تصاعد التوترات، خاصة بعد استخدام موسكو للطاقة كأداة سياسيّة في المواجهات مع كييف والدول الغربية، بدأت بروكسل في وضع خطط للحد من هذه الاعتمادية.
في البداية، كان الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة بمثابة “حالة طوارئ”… لكنها مع مرور الوقت تحولت إلى خطة استراتيجية طويلة الأمد لإعادة تنظيم إمدادات الطاقة في أوروبا.
وفي هذا السياق، قال وزير الطاقة اليوناني ستافروس باباستافرو إن موقع اليونان الجيوستراتيجي يجعلها مؤهلة لتكون “منصة مركزية” لاستلام شحنات الغاز المُسال من مصادر متعددة، تمهيدًا لإعادة توجيهها إلى دول الاتحاد الأوروبي التي تبحث عن بدائل للغاز الروسي.
أثينا تستثمر جغرافيتها… وتحفر لنفسها دورًا استراتيجيًا
تستفيد اليونان من موقعها الجغرافي المميز عند مفترق طرق بين الشرق والغرب، وقربها من خطوط الشحن الحيوية في البحر الأبيض المتوسط. هذه المكاسب الجغرافية جعلت من اليونان مرشحًا طبيعيًا للاستثمار في مرافق استقبال الغاز المُسال، بما يمكنها من توزيع الطاقة إلى السوق الأوروبية.
وتسعى أثينا إلى توسيع بنيتها التحتية من محطات استقبال الغاز وتطوير شبكات الربط مع دول الاتحاد الأوروبي عبر البر والبحر، بهدف نقل الغاز من محطة الإسالة إلى شبكات الأنابيب الأوروبية.
التحديات ومخاطر التحوّل
لكن الطريق ليس ممهدًا… فالاعتماد على واردات الغاز المسال يفتح أبوابًا متعددة من المنافسة الإقليمية، لا سيّما من دول تمتلك قدرات إنتاج وتصدير متنامية مثل إسرائيل وقبرص، التي تسعى أيضًا لتعزيز تعاونها الطاقي واستغلال مواردها البحرية.
وقد أُشير في تقارير سابقة إلى اتفاق قبرصي يقضي بربط حقل أفروديت بمحطات الإسالة في مصر، في صفقة قيمتها تقترب من ملياري دولار، ما يوضح أن المنافسة في سوق الغاز المُسال العالمي لم تعد حكراً على لاعبين كبار مثل الولايات المتحدة وقطر فقط.
هذا الاتجاه نحو الغاز الطبيعي المسال يأتي أيضًا في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات الثنائية توترات مع الولايات المتحدة، حيث استخدمت الإدارة الأميركية السابقة بقيادة الرئيس Donald Trump صادرات الطاقة كأداة للضغط ضمن المفاوضات التجارية، وهو ما أضاف مزيدًا من التعقيد إلى استراتيجيات أمن الطاقة في أوروبا.
مصر وإسرائيل… لاعبان مؤثران في معادلة الغاز
يبقى الحديث عن الغاز المعول ليس محصورًا في أوروبا وحدها، فمصر تسعى بقوة لتعزيز إنتاجها وصادراتها من الغاز المُسال، مستفيدة من مرافقها في الساحل الشمالي وقربها من الأسواق الأوروبية عبر البحر المتوسط.
في المقابل، تحاول إسرائيل، عبر شراكات مع قبرص واليونان، تحديد دور جديد في إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي، بما قد يحقق لها مكاسب استراتيجية واقتصادية على المدى الطويل، ويعيد ترتيب التحالفات في هذا القطاع الحيوي.
الاتحاد الأوروبي في مفترق طرق
بينما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى حظر واردات الغاز الروسي بالكامل، فإن هناك مخاطر متزايدة تتعلق بأمن الطاقة، لا سيّما في الدول الأكثر اعتمادًا على الواردات. ويعلّق خبراء الطاقة على هذا التحوّل الكبير بأن أوروبا في حاجة ماسة إلى توفير بدائل كثيرة ومستقرة لتجنّب أزمة طاقة في المواسم المقبلة.
ولعل تصريح وزير الطاقة اليوناني يلخص هذه الرؤية بقوله:
“إن مسعى اليونان لأن تكون بوابة الغاز الطبيعي المُسال إلى أوروبا ليس طموحًا عابرًا، بل هو ردّ عملي على واقع جديد لطالما تحدى أمن أوروبا في ظل الاعتماد الأحادي على مصدر واحد.”
سياسات المناخ والطاقة النظيفة
وليس فقط الأمن الطاقي هو ما يشغل أوروبا… فالاتحاد الأوروبي يربط في الكثير من سياساته بين دعم الطاقة النظيفة والتخفيف من الانبعاثات الكربونية، وهو ما يعقد عملية الانتقال من الغاز الروسي إلى الغاز المُسال من مصادر أخرى.
الهدف البيئي الأوروبي يتطلب أن تكون القوى الصناعية الكبرى أكثر التزامًا بالمعايير الخاصة بالانبعاثات، مما يدفع الدول إلى التفكير بطرق إنتاج وتسويق الغاز المُسال بكفاءة أعلى وأثر بيئي أقل.
بوابة الغاز… فرصة وتحدٍ
في مواجهة أزمة الطاقة وتحولات السوق العالمي، تسعى اليونان إلى بسط دورها كلاعب مهم في سلسلة إمدادات الغاز الطبيعي المتغير في أوروبا، وهو ما يمكن أن يعزز مكانتها الجيوستراتيجية، كما يوفر بدائل لأوروبا في تقليل اعتمادها على الطاقة الروسية.
لكن الطريق مليء بالتحديات:
• المنافسة الإقليمية من مصر وإسرائيل وقبرص
• المخاطر الجيوسياسية وسط توترات العلاقات الدولية
• التوافق بين الأمن الطاقي والسياسات البيئية الأوروبية
ويبقى السؤال الأبرز: هل ستتمكّن اليونان فعلاً من أن تكون بوابة الغاز الطبيعي لأوروبا، أم أن التحولات في أسواق الطاقة العالمية ستجعل من هذا الطموح مجرد ورقة يُعاد تداولها مرة أخرى في سياق صراع أكبر بين القوى؟










