فيىمشهد يختصر حالة التوتر الدقيق التي يعيشها الاقتصاد المصري، أنهى مجلس الوزراء المصري إعداد المخطط الأولي لمشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027، وفق ما كشفت عنه مصادر حكومية مطلعة.
وتأتي هذه الموازنة في لحظة مفصلية بالغة الحساسية، حيث يجد صانع القرار المصري نفسه أمام معادلة شاقة: كيف يقنع مواطنيه بأن بلادهم تتعافى، في حين يقدم لهم في الوقت ذاته جرعة من الإجراءات التقشفية هي الأقسى منذ سنوات؟
وتشير التقارير إلى أن مشروع الموازنة سيرفع إلى مجلس النواب في مارس المقبل، وفق الجداول الزمنية الدستورية المعتمدة، على أن تبدأ المناقشات التفصيلية في لجان خطة الموازنة بمجلسي النواب والشيوخ مطلع أبريل، تمهيدا لإقراره قبيل انطلاق العام المالي الجديد في يوليو 2026.
وثمة في هذا التسلسل الدستوري اطمئنان شكلي، غير أن الجوهر يحمل في طياته تحولات عميقة قد تعيد رسم ملامح العقد الاجتماعي بين الدولة المصرية ومواطنيها.
حوار مجتمعي في مواجهة قرارات صعبة
أدرك مجلس الوزراء أن الموازنة الجديدة تحمل بنودا لن تمر بسهولة في الشارع المصري، فكلف وزير المالية أحمد كجوك بإطلاق سلسلة من الجلسات التشاورية وجلسات “الحوار المجتمعي” التي تستهدف الأحزاب السياسية والخبراء الاقتصاديين وممثلي المجتمع المدني، في خطوة استباقية لامتصاص موجات الرفض المحتملة.
والحوار المجتمعي في حد ذاته ظاهرة إيجابية في أي منظومة ديمقراطية سليمة، إلا أن مراقبين يرون أن فاعليته ستظل رهينة بمدى استعداد الحكومة للاستجابة الفعلية للملاحظات المطروحة، لا مجرد الاستماع إليها.
وتتمحور البنود الأكثر إثارة للجدل في مشروع الموازنة حول ثلاثة محاور رئيسية: أولها استكمال خطة التخلص التدريجي من دعم الطاقة للوصول بأسعار الكهرباء والمحروقات إلى مستويات التكلفة العالمية، في مسار بدأ قبل سنوات ولا يزال يفضي إلى فواتير متصاعدة تثقل كاهل الأسر والمصانع على حد سواء.
وثانيها التحول من الدعم العيني على السلع التموينية إلى نظام “البطاقة النقدية المشروطة”، وهو توجه أكاديميا يمتلك مسوغاته الاقتصادية الصلبة، لكنه على أرض الواقع ينطوي على مخاطر اجتماعية تستوجب إدارة دقيقة.
وثالثها توسيع الوعاء الضريبي عبر رقمنة الاقتصاد وضم القطاع غير الرسمي إلى منظومة الإيرادات، وهو هدف مشروع لكنه يصطدم بتعقيدات بنيوية متراكمة.
“كاري أون”: تجربة جديدة في توزيع الدعم
يشكل التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي الركيزة الأكثر جوهرية في مشروع الموازنة، إذ يمس حياة الملايين من الأسر المصرية التي اعتادت على منظومة السلع المدعومة لعقود طويلة.
وبحسب المخطط المعلن، سيمنح المستحقون مبالغ مالية محددة تشحن عبر بطاقات ذكية، غير أن هذه المبالغ لن تكون في المرحلة الأولى حرة التصرف في السوق المفتوحة، بل ستوجه بصورة رئيسية نحو شراء الاحتياجات الغذائية من فروع سلاسل “كاري أون” (Carry On).
وتتولى إدارة هذه السلاسل التجارية جهة “مشروع مستقبل مصر” بالتنسيق مع وزارة التموين والتجارة الداخلية، وتضم في شبكتها الفروع التجارية للشركات العامة والمنشآت التابعة للشرطة والقوات المسلحة، والتي يجري تجميعها وإعادة هيكلتها لتشكل منظومة بيع بالتجزئة متكاملة تحت مظلة واحدة.
وتقوم الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه على هدف مزدوج: ضبط الأسعار من جهة، والحد من مضاربات السوق السوداء التي كانت تستنزف جزءا كبيرا من قيمة الدعم العيني في ظل المنظومة القديمة من جهة أخرى.
والفكرة من حيث المبدأ ذكية، إذ تبقي على عنصر “التوجيه” في الإنفاق الاجتماعي بدلا من التخلي عنه كليا. بيد أن التساؤل الجوهري يبقى قائما: هل ستنجح سلاسل “كاري أون” فعليا في توفير السلع بأسعار أقل من السوق الحر، وبجودة مقبولة، وبتوزيع جغرافي يصل إلى المناطق النائية التي تقطنها الشرائح الأكثر احتياجا للدعم؟ هذا هو الاختبار الحقيقي الذي سيحدد نجاح هذه التجربة أو إخفاقها.
مفارقة “التعافي” و”التقشف”
لعل أكثر ما يلفت الانتباه في الخطاب الرسمي المرافق لمشروع الموازنة هو هذا التوتر الصريح بين سردية “التعافي الاقتصادي” وبين إجراءات التقشف التي تتضمنها الموازنة ذاتها. فبينما يروج مجلس الوزراء لمؤشرات إيجابية تشمل ارتفاع الاحتياطيات الدولية إلى مستويات تاريخية، وتراجع عجز الحساب الجاري، وعودة ثقة المستثمرين الأجانب، نجد في المقابل موازنة تعكس قناعة حكومية راسخة بأن “الشفاء الكامل” لا يزال يستلزم مزيدا من الجرعات المرة.
ولا تعارض في الحقيقة بين هذين الواقعين من الناحية الاقتصادية، فالتعافي الكلي يستوجب في الغالب تصحيحات هيكلية مؤلمة على المدى القصير، المشكلة الحقيقية تكمن في التواصل مع المواطن العادي الذي يجد صعوبة في استيعاب سبب الاستمرار في سياسات التقشف رغم كل هذه “البشائر الاقتصادية” التي تعلنها الحكومة.
وتتجلى أهداف الموازنة في ثلاثة مسارات رئيسية: أولها تحقيق فائض أولي طموح بهدف خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي التي ظلت لسنوات تشكل ضغطا ثقيلا على المالية العامة.
وثانيها توسيع قاعدة الممولين عبر منظومة الفاتورة الإلكترونية والربط الشبكي بين المصالح الإيرادية، بما يقلص مساحة التهرب الضريبي ويضخ إيرادات إضافية في الخزينة. وثالثها الاستمرار في سياسة “التخارج” الحكومي، أي جني عائدات من بيع حصص في شركات مملوكة للدولة لسداد أقساط الديون الخارجية والداخلية، وهو مسار بدأ بوتيرة متصاعدة في ظل برنامج الإصلاح المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي.
تحديات الاستقرار الاجتماعي: الجانب المغفل
يجمع كثير من الخبراء الاقتصاديين على أن الرهان الحكومي على “الاستقرار المالي” عبر ضغط منظومة الدعم قد يتعارض مع متطلبات “الاستقرار الاجتماعي” الذي يشكل في نهاية المطاف الأرضية التي تقوم عليها أي سياسة إصلاحية ناجحة. فالدعم النقدي، بكل مزاياه الأكاديمية المعروفة في الحد من الهدر ومنع التسرب إلى غير المستحقين، يظل مقيدا بمتغير بالغ الحساسية وهو معدل التضخم.
وإذا استمرت ضغوط الأسعار في الارتفاع، كما هو الحال في ظل تحرير سعر الصرف والتوسع في رفع الدعم عن الطاقة، فإن القيمة الحقيقية للمبالغ المخصصة في البطاقات النقدية ستتآكل تلقائيا حتى قبل نهاية الشهر، وهو ما يفرغ المنظومة من مضمونها الحمائي ويعيد إنتاج نفس إشكالية الفقر المزمن بصورة مختلفة. فضلا عن ذلك، فإن الاعتماد على سلاسل “كاري أون” كمنفذ رئيسي أو شبه حصري لصرف مستحقات الدعم يلقي بعبء لوجستي ضخم على الدولة، تشمل ضمانات الوفرة والتوزيع الجغرافي العادل، خاصة في المحافظات النائية والمجتمعات العشوائية التي تحتاج الدعم أكثر من غيرها وتعاني تاريخيا من قصور في الخدمات التجارية.
وثيقة أرقام أم وثيقة مجتمع؟
موازنة 2026/2027 ليست، في جوهرها، مجرد جداول محاسبية تتوازن فيها أعمدة الإيرادات والنفقات. إنها بيان سياسي واجتماعي يحمل رؤية الدولة المصرية لطبيعة العقد الذي يربطها بمواطنيها في المرحلة المقبلة. وبينما تستعد أروقة البرلمان لاستقبال هذا المشروع الضخم، وبينما يجري وزير المالية جولاته في الحوار المجتمعي، يبقى السؤال الأعمق مطروحا: هل تنجح هذه الموازنة في تحقيق التوازن الدقيق بين متطلبات الانضباط المالي ومتطلبات الكرامة الاجتماعية؟ أم أن ثمن “التعافي الاقتصادي” سيدفع في نهاية المطاف من جيوب الفئات الأقل قدرة على تحمله؟ الإجابة ستكتبها الأشهر القادمة، والشارع المصري حاضر لقراءتها بدقة.











