خطوة استراتيجية لتعزيز الأمن البحري وسط تصاعد تهديدات الإقليم
واشنطن – 26 فبراير 2026 – المنشر الإخباري
قرر مجلس الاتحاد الأوروبي تمديد مهمة الأمن البحري الأوروبية المعروفة باسم EUNAVFOR ASPIDES حتى فبراير 2027، في خطوة تعكس تصاعد أهمية حماية خطوط الملاحة البحرية الحيوية وسط تهديدات متسارعة تواجه السفن التجارية الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن وشرق أفريقيا.
وجاء القرار بعد مراجعة استراتيجية للعملية، حيث خصّص الاتحاد الأوروبي نحو 15 مليون يورو لتغطية التكاليف المشتركة للفترة من مارس 2026 حتى نهاية مدة التمديد، في مؤشر واضح على تحول المهمة من استجابة مؤقتة لأزمة طارئة إلى التزام أمني طويل الأمد.
ويستعرض هذا التقرير تفاصيل القرار الأوروبي، أهداف المهمة، أبعادها الأمنيّة والاقتصادية، انعكاساتها على مصر والدول الساحلية، وتحدّياتها في سياق الأمن البحري المتأزم في الشرق الأوسط.
ما هي مهمة “أسبيدس” وكيف بدأت؟
أُطلقت عملية “أسبيدس” في أوائل عام 2024 في إطار قوات الاتحاد الأوروبي لحماية الملاحة البحرية (EUNAVFOR)، بهدف مواجهة تصاعد الهجمات على السفن التجارية في المنطقة الممتدة من باب المندب إلى بحر العرب، مرورًا بـ الخليج العربي و مضيق هرمز.
وتتضمن أهداف المهمة الرئيسية:
• حماية السفن التجارية من الهجمات البحرية والقرصنة.
• ضمان حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية الحيوية.
• دعم الدول الساحلية الشريكة لتعزيز قدراتها في رصد التهديدات البحرية.
• العمل وفق القانون الدولي لحماية حركة التجارة البحرية.
وتضم مناطق انتشار المهام البحرية الأوروبية مساحات بحرية واسعة تشمل البحر الأحمر، الخليج العربي، خليج عدن، ومضيق هرمز، وهي طرق أساسية لحركة النفط، الغاز، والبضائع بين آسيا وأوروبا.
سياق القرار: لماذا التمديد الآن؟
يأتي قرار التمديد في وقت تتصاعد فيه المخاطر في البحار الدولية جراء عوامل متعدّدة، من أبرزها:
- استمرار التهديدات البحرية
لم تنحسر التهديدات التي تستهدف السفن التجارية في المياه الدولية، بل برزت أنماط جديدة من الهجمات تشمل:
• إطلاق ألغام بحرية غير تقليدية.
• استخدام زوارق سريعة مجهولة في عمليات تطويق وتهديد للسفن.
• تكثيف نشاطات جماعات غير نظامية تشمل عمليات مضايقة أو تهديدات مباشرة للسفن.
وتسببت هذه التهديدات في تعطيل خطوط الشحن الدولية وتأجيل وصول البضائع الحيوية، ما جعل من مهمة “أسبيدس” عنصرًا أساسيًا في منظومة الأمن البحري الأوروبي.
- انعكاس الأزمات الإقليمية
لا يمكن فهم تطورات المهمة بمعزل عن مشهد عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط برمّتها، حيث يتداخل:
• التوتر حول البرنامج النووي الإيراني.
• التصعيد العسكري في بعض الساحات الإقليمية.
• وجود مصالح اقتصادية كبرى للدول الأوروبية في مضيق هرمز وممرات نفط عالمية.
كل هذه العوامل أسهمت في رفع مستوى القلق الدولي حول خطر تحول تهديدات بحرية نسبية إلى خطر أمني استراتيجي عابر للحدود، قد يخلخل الاستقرار في سلسلة الإمداد العالمية.
ماذا يعني التمديد لعام إضافي؟
يمثّل التمديد حتى فبراير 2027 أكثر من مجرد قرار تنظيمي، بل يحمل دلالات استراتيجية عديدة على مستويات متعددة:
- التزام أوروبي طويل الأمد بالأمن البحري
لم يعد الدور الأوروبي في المنطقة مقتصرًا على الاستجابة لحوادث فردية، بل تحوّل إلى:
• نشر دائم للقدرات العسكرية البحرية.
• تنسيق استخباراتي عالي المستوى مع شركاء دوليين.
• مساهمة في استقرار خطوط التجارة الدولية.
وهذا يعكس إدراكًا متزايدًا أن أمن الطاقة والتجارة الأوروبية يرتبط مباشرة بالأمن البحري في الشرق الأوسط.
- اتساع نطاق الدور العسكري الخارجي للاتحاد الأوروبي
لم يعد الاتحاد الأوروبي يعمل كقاطعة سياسية فحسب، بل بدأ يتبنّى أدوار عسكرية خارجية واضحة تشمل:
• حماية خطوط الشحن العالمي.
• دعم دول الساحل وشركاء الأمن البحري.
• تنسيق أمني مع قوات التحالف الدولي والدول المطلة على المحيط الهندي.
وهذا يعكس تحولًا في الاستخدام الأوروبي للأدوات العسكرية ليشمل حماية المصالح الاقتصادية الحيوية وليس فقط الأهداف الإنسانية أو السياسية.
الأهمية الاستراتيجية بالنسبة لمصر
يلعب قرار التمديد دورًا مهمًا بالنسبة لمصر، التي تعتمد بشكل كبير على:
• قناة السويس كممر تجاري رئيسي.
• حركة التجارة البحرية الواصلة من آسيا إلى أوروبا والعكس.
• استقرار حركة النقل البحري عبر البحر الأحمر وخليج السويس.
ويضع التمديد المصريين أمام فرص لتعزيز التنسيق الأمني مع الاتحاد الأوروبي من خلال:
• تبادل المعلومات البحرية.
• دعم العمليات المشتركة ضد التهديدات.
• تطوير قدرات الاستجابة للحوادث البحرية.
وأصبحت مصر، بمعاييرها البحرية الكبيرة والموقع الجغرافي الاستراتيجي، عنصرًا مهمًا في خريطة تحالف الأمن البحري الجديد.
التحرك ضمن منظومة أمنية عالمية
يأتي تمديد المهمة في إطار توجهات أوسع تشمل:
- ضمان سلاسل الإمداد العالمية
تأثير أي تهديد على خطوط الملاحة العالمية لا يطال الاقتصادات الإقليمية فحسب، بل يمتد ليصل إلى:
• أسواق النفط والغاز العالمية.
• التجارة الحرة الدولية.
• أسعار السلع الأساسية في الأسواق الأوروبية والعالمية.
والاتحاد الأوروبي يسعى، من خلال “أسبيدس”، إلى حماية هذه المصالح التي تربط بين الشرق الأوسط وأوروبا والعالم بأسره.
- الردع البحري المتقدّم
بتنفيذ عمليات أمنية في مضيق هرمز وخليج عدن، يعزز الاتحاد الأوروبي من ردعه البحري عبر:
• نشر سفن حربية متقدمة.
• أسلحة دفاعية متطورة.
• فرق رصد وتحليل للتهديدات في الزمن الحقيقي.
وهذا يسهم في خفض المخاطر التي تواجه السفن التجارية، ويقوّي قدرة الاتحاد على التعامل مع السيناريوهات غير المنتظرة.
التحديات والانتقادات
رغم أهمية القرار، تواجه مهمة “أسبيدس” عدة تحديات:
- طبيعة التهديدات غير التقليدية
التهديدات البحرية الحديثة ليست مجرد قرصنة تقليدية، بل:
• تحركات جماعات غير نظامية.
• هجمات عبر وسائل غير متوقّعة.
• تحديات في تحديد هوية الجهات المنفذة بالضبط.
وهذا يجعل التعامل معها يتطلب تنسيقًا استخباريا عالي المستوى بين الدول المشاركة.
- التكلفة والتمويل
رغم تخصيص 15 مليون يورو، هناك مخاوف من أن تمويل المهمة قد يحتاج إلى دعم إضافي في حال تعمّق التهديدات أو توسّع نطاقها.
- التنسيق الدولي
في ظل تعدد الفاعلين العسكريين في المنطقة (القوات الأميركية، التحالفات الدولية، السفن التجارية الخاصة)، يظل التنسيق بين القوى المختلفة تحدّياً كبيراً يتطلب توافقات سياسية واضحة.
ما التالي في مهمة “أسبيدس”؟
تشير المعطيات إلى أن الاتحاد الأوروبي سيعمل خلال العام المقبل على:
• تعزيز التنسيق مع الدول الساحلية لضمان حماية أفضل.
• تطوير آليات الرصد المبكر للتهديدات البحرية عبر الأقمار الصناعية والأنظمة التكنولوجية.
• توسيع التعاون مع حلفاء دوليين لتقليل احتمالات وقوع هجمات واسعة النطاق على السفن.
وفي هذا الإطار، يبقى التركيز منصباً على أن أمن الملاحة البحرية ليس مسؤولية مقتصرة على أوروبا، بل هو عنصر أساسي في استقرار التجارة الدولية والسلام العالمي.
وفي ظل تصعيد التهديدات وتداخل الأزمات الإقليمية، يأتي هذا القرار ليؤكد قدرة الاتحاد الأوروبي على أن يكون فاعلًا أمنيًا مباشرًا في إدارة أزمات الشرق الأوسط والبحار الدولية، وليس مجرد جهة داعمة سياسية أو إنسانية.










