الخرطوم – المنشر الاخباري، 26 فبراير 2026، كشف رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة السودانية، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، عن مخاوف بالغة الخطورة تتعلق بتدفق أسلحة ومعدات عسكرية إلى قوات الدعم السريع عبر الأراضي الإثيوبية، في توقيت حساس تشهد فيه العمليات العسكرية السودانية تصعيدا ملموسا على عدة محاور ميدانية.
وجاءت هذه التصريحات خلال لقاء جمع البرهان بالخبير الأمريكي البارز في الشأن الأفريقي كاميرون هدسون، ليكشف للمرة الأولى بهذا الوضوح عن حجم الإحباط السوداني من الصمت الإثيوبي حيال ملف التسليح العابر للحدود.
اتهامات صريحة وصمت إثيوبي مثير للقلق
أعرب البرهان خلال اللقاء عن قلق عميق ومتراكم جراء ما وصفه بوصول إمدادات عسكرية منتظمة إلى قوات الدعم السريع انطلاقا من الأراضي الإثيوبية، مشيرا إلى أن الأمر لا يتعلق بمعلومات استخباراتية مجردة، بل بمعطيات ميدانية موثقة رصدتها القوات المسلحة السودانية على الأرض.
وأوضح البرهان أنه بادر شخصيا إلى محاولة فتح قناة حوار مباشرة مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وطلب مرارا وتكرارا الزيارة أديس أبابا لمناقشة هذا الملف الشائك على أعلى المستويات، غير أن مساعيه اصطدمت بجدار من الصمت لم يتلق معه أي رد رسمي أو حتى إشارة دبلوماسية تفضي إلى الحوار.
ويعد هذا الكشف العلني غير مسبوق في لهجته الصريحة، إذ دأبت الخرطوم تاريخيا على التحفظ في تناول ملف العلاقات مع أديس أبابا علنا، خاصة في ظل تشعب نقاط التوتر بين البلدين التي تشمل ملفات حدودية وأزمة سد النهضة وقضايا اللاجئين.
بيد أن استمرار الحرب وتزايد التدخل الخارجي فيها دفعا البرهان إلى تخطي الحسابات الدبلوماسية التقليدية والإفصاح عما تكتنزه الخرطوم من مظالم حيال السلوك الإثيوبي.
السودان بين ناري التوترات الإقليمية
تناول اللقاء أيضا بعدا إقليميا أوسع يتمثل في احتمالات تأثر السودان بالتوترات المتصاعدة بين إثيوبيا وإريتريا، وهي توترات تلقي بظلالها الثقيلة على منطقة القرن الأفريقي بأسرها، وتعيد ترتيب التحالفات والحسابات الاستراتيجية لدى جميع دول المنطقة.
وفي هذا الصدد، كان البرهان حازما ولا يقبل التأويل، إذ أكد رفضه القاطع لأي سيناريو يجر السودان إلى الانزلاق نحو نزاعات إقليمية لا ناقة له فيها ولا جمل، مشددا على أن الخرطوم منشغلة بما يكفيها من معاركها الداخلية مع قوات الدعم السريع.
وجدد البرهان تمسك السودان بمبدأ راسخ يقوم على سياسة عدم الانحياز في الخلافات الإقليمية، ورفض مشاركة إثيوبيا بأي صورة في الحرب السودانية الداخلية، سواء أكانت مشاركة مباشرة أم غير مباشرة، معلنا رفضه القاطع لأي توجه نحو تدويل الأزمة السودانية أو الاستعانة بأطراف إقليمية تحت أي مسمى أو ذريعة.
وأبدى البرهان في هذا السياق ما يمكن وصفه بـ”الاستقلالية الاستراتيجية”، رافضا أن يتحول السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية المتشعبة.
مشهد أمني بالغ التعقيد
تأتي هذه التصريحات في سياق ميداني وسياسي شديد التعقيد، إذ تواصل القوات المسلحة السودانية عملياتها العسكرية على عدة جبهات في مواجهة قوات الدعم السريع، بعد أن اندلع الصراع المسلح في أبريل 2023 وأودى بحياة عشرات الآلاف ونزوح ما يزيد على عشرة ملايين شخص في واحدة من أفدح الكوارث الإنسانية التي تشهدها القارة الأفريقية في العقود الأخيرة.
وتزداد الصورة تعقيدا مع الاتهامات المتكررة التي توجهها الخرطوم لأطراف إقليمية ودولية عدة بدعم الدعم السريع بالسلاح والتمويل والتغطية الدبلوماسية، وهو ما تنفيه تلك الأطراف جملة وتفصيلا.
والخطير في الأمر أن استمرار تدفق السلاح إن صحت الاتهامات السودانية يعني إطالة أمد الصراع وتصعيد وتيرته، ويغلق الباب أمام أي مسارات للتسوية التفاوضية لم تفض حتى اللحظة إلى نتائج ملموسة.
وفي المحصلة، يجد السودان نفسه في مواجهة معادلة بالغة الصعوبة: خوض حرب داخلية استنزافية طاحنة في الوقت ذاته الذي يحاول فيه ضبط علاقاته مع محيطه الإقليمي المضطرب، وصون سيادته في مواجهة ما يصفه بالتدخل الخارجي السافر. وتبقى التساؤلات مفتوحة حول ما إذا كانت المجتمع الدولي سيتحرك بجدية لمعالجة ملف التسليح العابر للحدود، أو ستظل شكاوى الخرطوم حبيسة قاعات اللقاءات الدبلوماسية دون أن تترجم إلى ضغوط فعلية توقف ما تصفه موسكو بـ”إرهاب الدولة” بالوكالة.










