باريس – المنشر الاخباري| 26 فبراير 2026، في مشهد يختصر مسارا قضائيا شائكا ومضطربا امتد لأكثر من ثماني سنوات، يمثل المفكر الإسلامي السويسري الجنسية طارق رمضان، حفيد مؤسس جماعة “الإخوان المسلمين” في مصر حسن البنا، اعتبارا من الثاني وحتى السابع والعشرين من مارس المقبل أمام المحكمة الجنائية في باريس، في محاكمة طالما انتظرتها الضحايا وترقبها الرأي العام الفرنسي والعربي على حد سواء.
وتشكل هذه المحاكمة محطة فارقة في مسيرة طارق رمضان الذي طالما جمع حوله مريدين ومنتقدين بالقدر ذاته، وكان حضوره الفكري يملأ الفضاء الأوروبي قبل أن تنهار صورته إثر موجة الاتهامات التي طاولته منذ عام 2017.
اتهامات جسيمة وضحايا ينتظرن العدالة منذ سنوات
يواجه رمضان البالغ من العمر اثنين وستين عاما اتهامات بالغة الخطورة، تتمحور حول اغتصاب ثلاث نساء في فرنسا خلال الفترة الممتدة بين عامي 2009 و2016، وهي وقائع تقول المدعيات إنهن ظللن صامتات طويلا تحت وطأة الخوف والهيمنة النفسية التي كان يمارسها رمضان بوصفه شخصية دينية ذات نفوذ واسع.
وبحسب صحيفة “20 مينت” السويسرية، فإن العقوبة المقررة للتهم المنسوبة إليه قد تصل إلى السجن عشرين عاما في حال إدانته، وقد أمضت هؤلاء النساء ما يزيد على ستة عشر عاما في انتظار يوم تقفن فيه أمام المحكمة وجها لوجه مع من يتهمنه بانتهاك إرادتهن وكسر صمتهن بالقوة.
مسار قضائي متعرج لم يخل من الإثارة
لا يمكن فهم هذه المحاكمة بمعزل عن تاريخها القضائي الطويل والمتشعب. فمنذ أن اندلعت الشرارة الأولى في خضم موجة “MeToo” عام 2017، حين تقدمت أولى المدعيات بشكواها، توالت الاتهامات وتراكمت الملفات في فرنسا وسويسرا في آن معا.
وقضى رمضان قرابة عشرة أشهر في الحبس الاحتياطي بين عامي 2018 و2019 بتهمة الاغتصاب، قبل أن يفرج عنه بسبب دواع صحية تتعلق بمرضه بالتصلب اللويحي المتعدد.
وما إن أطلق سراحه حتى سلك طريق الطعن القانوني المضني، ساعيا إلى إسقاط التهم وتفنيد شهادات الضحايا، بينما واصلت المحاكمات في جنيف مسارا موازيا انتهى بإدانته عام 2023 بتهمة الاغتصاب وصدور حكم بحقه بالسجن أربع سنوات، قبل أن تعلق محكمة الاستئناف هذا الحكم في مرحلة لاحقة ريثما يبت في طعنه.
وقد أضفت هذه التقلبات المتلاحقة على المشهد القضائي طابعا دراميا استثنائيا، جعل المتابعين يترددون بين توقع الإدانة وترقب البراءة في كل مرحلة جديدة.
من هو طارق رمضان؟
لا يمكن اختزال طارق رمضان في ملفه الجنائي وحده، فهو شخصية فكرية بالغة التعقيد والتأثير. فهو أستاذ الدراسات الإسلامية الذي درس في جامعة أكسفورد البريطانية وعدد من المؤسسات الأكاديمية الأوروبية الرفيعة، وصاحب مؤلفات عديدة في الفكر الإسلامي والهوية المسلمة في الغرب، وخطيب يستقطب عشرات الآلاف في أرجاء العالم الإسلامي وفي أوساط الجاليات المسلمة بأوروبا وأمريكا الشمالية.
وقد شكل انتماؤه إلى عائلة البنا بعدا رمزيا مركبا في قراءة مواقفه ودوره، إذ حمل اسما ثقيلا في السياق الإسلامي المعاصر، مما جعله في الوقت ذاته منارة لمحبيه ومثار ريبة لمنتقديه الذين رأوا في خطابه غموضا مقصودا. وقد أسهمت قضيته القضائية في تصدع هذه الصورة المزدوجة تصدعا بالغا، وفي إشعال نقاش أوروبي واسع حول العلاقة بين الهيمنة الدينية والنفوذ الفكري وآليات التحرش والاستغلال الجنسي.
جلسات مارس.. المواجهة الحاسمة
تعد محاكمة مارس الأكثر أهمية في هذا الملف القضائي الشائك، إذ إنها المرة الأولى التي سيمثل فيها رمضان أمام محكمة جنائية فرنسية في مواجهة مباشرة مع ضحاياه المفترضات اللواتي يطالبن بالعدالة على رؤوس الأشهاد. وتمتد الجلسات على مدى أربعة وعشرين يوما متصلة، مما يشير إلى أن المحكمة تتعامل مع هذا الملف بوصفه قضية متشعبة الأطراف تستدعي فحصا دقيقا معمقا لكل التفاصيل والشهادات والأدلة.
ومن المنتظر أن تشهد هذه الجلسات مواجهة حادة بين روايتين متناقضتين تماما: رواية الضحايا اللواتي يصفن وقائع تقولون إنهن عشنها في صمت وألم، ورواية رمضان الذي يصر على نفي كل الاتهامات ويصفها بأنها علاقات رضائية تعرضت للتحريف والتوظيف السياسي.
توقعات وتداعيات
يترقب المراقبون هذه المحاكمة بأهمية تتجاوز الشأن الشخصي لرمضان، لما تنطوي عليه من دلالات تتعلق بمحاسبة المتنفذين دينيا وفكريا، وبمدى قدرة الضحايا على كسر الصمت في مواجهة شخصيات تمتلك رصيدا رمزيا وجمهورا مخلصا.
وفي المحصلة، قد يمثل الحكم الذي ستصدره المحكمة الجنائية في باريس مفترق طرق حقيقيا في حياة رجل طالما عاش على الحدود الفاصلة بين التأثير الفكري الواسع والجدل الذي لم يفارق مسيرته منذ بدايتها.










