تشهد أروقة البرلمان المصري خلال الأسابيع الأخيرة حالة حراك متجدد حول قانون الإيجار القديم، مع تصاعد دعوات برلمانية لتعديل بعض مواده بعد أشهر قليلة من بدء تطبيقه فعليًا، في محاولة لامتصاص الغضب المتنامي بين شرائح واسعة من المستأجرين، خاصة من أصحاب المعاشات ومحدودي الدخل، مقابل تمسك قطاع من الملاك بضرورة الإبقاء على الصيغة الحالية باعتبارها «تصحيحًا تاريخيًا» لا يجوز التراجع عنه.
خلفية الدعوة البرلمانية الجديدة
تأتي الدعوات البرلمانية لتعديل قانون الإيجار القديم على خلفية شكاوى متصاعدة من التطبيق العملي للتعديلات التي أُقرت فى 2025، والتي تضمنت زيادات كبيرة فى القيمة الإيجارية، وفترات انتقالية تنتهي بعدها العلاقة الإيجارية نهائيًا بين المالك والمستأجر.
عدد من النواب فى مجلسي النواب والشيوخ رأوا أن التطبيق كشف عن «ثغرات اجتماعية» تمس بشكل مباشر الملايين من الأسر التي تعيش بعقود إيجار قديمة، ما استدعى التحرك نحو إعادة فتح الملف تحت قبة البرلمان رغم حساسيته السياسية والاجتماعية.
تحركات حزبية وطلبات إحاطة
فى مجلس النواب، برز «تحرك حزبي» من أكثر من تيار للمطالبة بإعادة النظر فى بعض مواد القانون، مع التأكيد على أن الهدف ليس إلغاء الإصلاح التشريعي بالكامل، وإنما إدخال تعديلات تصحيحية تراعي العدالة الاجتماعية وتخفيف الأعباء عن الفئات الأكثر هشاشة.
كما تقدّم نواب بطلبات إحاطة عاجلة للحكومة بشأن الزيادات الكبيرة في الإيجارات القديمة وتداعياتها على أصحاب المعاشات ومحدودي الدخل، فى ضوء أحكام القانون التى سمحت برفع القيمة الإيجارية بشكل ملحوظ مقارنة بما كانت عليه لعقود طويلة.
مقترحات التعديل تحت القبة
المقترحات المتداولة برلمانيًا تدور حول ثلاثة محاور أساسية:أولًا: إعادة النظر فى المدة الانتقالية التي تسبق إنهاء العلاقة الإيجارية، وسط مطالب بإطالة المدد أو ربطها بالحالة الاجتماعية والدخل بدلاً من اعتماد مدة موحدة لكل الحالات.
ثانيًا: مراجعة آليات الزيادة الإيجارية، بحيث لا تُطبّق نسب متقاربة على الوحدات الفاخرة والوحدات فى الأحياء الشعبية، مع اقتراح ربط الزيادة بالدخل الفعلي للمستأجر من خلال دور لوزارة التضامن الاجتماعى فى تقييم الحالات.
ثالثًا: تشديد الضوابط على إجراءات الإخلاء، وتقييدها بضمانات إضافية حتى لا تتحول التعديلات إلى أداة لطرد الأسر الأضعف من مساكنها بدون توفير بدائل مناسبة أو فترات كافية للانتقال.
أصوات المستأجرين: خوف من «الطرد الصامت»اتحاد مستأجري مصر أعلن نيته التقدم بمقترحات رسمية لتعديل عدة مواد، على رأسها المواد المتعلقة بالزيادات الكبيرة وإنهاء العقود، معتبرًا أن الصيغة الحالية «فشلت في تحقيق التوازن» وأدت إلى أعباء مالية غير محتملة على محدودي الدخل.
رئيس الاتحاد شريف الجعار حذر من أن الزيادات التي وصلت إلى 20 ضعفًا فى بعض المناطق المتميزة تمثل عبئًا حقيقيًا فى ظل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، مطالبًا بتخفيض الزيادات وتوسيع نطاق الحماية للفئات الأضعف، خصوصًا كبار السن والأرامل وأصحاب المعاشات.
موقف الملاك: الخوف من التراجع عن «الإصلاح»
فى المقابل، عبّر ائتلاف ملاك الإيجار القديم عن رفضه لأى اتجاه لتقليص مكتسباتهم التى تحققت بالقانون، محذرًا من أن فتح الملف مجددًا قد يبعث برسالة سلبية حول جدية الدولة فى الالتزام بإصلاحات تشريعية انتُظرت لعقود.
ممثلون عن الملاك اعتبروا أن العودة إلى تعديل القانون بعد شهور قليلة فقط من تطبيقه «تُربك السوق العقارى» وتُضعف ثقة المستثمرين، مطالبين بالالتزام بالمدد والزيادات كما وردت فى القانون الأصلى مع تحسين آليات التنفيذ لا جوهر النصوص.
بطء لجان الحصر وتعقيدات التطبيق
من بين النقاط التى دفعت إلى تجدد الجدل، بطء عمل لجان الحصر والتصنيف المكلفة بتحديد القيمة الإيجارية الجديدة وتقسيم المناطق، حيث لم تُنهِ أعمالها سوى فى عدد محدود من المحافظات، بينما لا تزال محافظات كبرى، وعلى رأسها القاهرة، تواجه تعقيدات فنية وإدارية.
هذا البطء أدى إلى تمديد فترة «الإيجار المؤقت» عند مستوى 250 جنيهًا شهريًا لكثير من الوحدات لحين انتهاء الحصر، ما خلق حالة ازدواج بين نصوص قانونية تتحدث عن زيادات كبيرة وواقع فعلي لا يزال مجمدًا فى أماكن ومتحركًا بقوة فى أماكن أخرى.
جدل دستورى واجتماعى مفتوح
المدافعون عن فكرة تعديل القانون يستندون إلى أن أى صيغة تشريعية يجب أن تظل قابلة للمراجعة فى ضوء نتائج التطبيق الفعلى، خاصة إذا أفرزت أوضاعًا تمس مبادئ العدالة الاجتماعية المنصوص عليها فى الدستور.
بينما يرى آخرون أن الاستقرار التشريعي لا يقل أهمية عن العدالة الاجتماعية، وأن كثرة التعديلات قد تدفع بعض الملاك إلى تجميد الاستثمار أو الامتناع عن صيانة العقارات، بما ينعكس سلبًا على حال البنية السكنية فى المدن القديمة.
فى النهاية، تبدو الدعوة البرلمانية لتعديل قانون الإيجار القديم حلقة جديدة فى مسلسل طويل من الجدل بين الملاك والمستأجرين، عنوانه العريض البحث عن معادلة صعبة تجمع بين «حق السكن الآمن» و«حق الملكية»، وسط توقعات بأن يشهد دور الانعقاد الحالى سجالًا حادًا قبل الوصول إلى أى صيغة توافقية نهائية.








