تعيش منطقة تيجراي في شمال إثيوبيا مجددًا على وقع التوتر والتصعيد، وسط مخاوف من عودة شبح «الحصار» الذي عانته خلال سنوات الحرب، في ظل أنباء عن قيود على الحركة ووصول المساعدات في مناطق التماس، وتوتر عسكري متجدد يهدد اتفاق السلام الهش الموقع نهاية عام 2022.
ورغم أن الحكومة الفيدرالية تروّج لالتزامها باتفاق بريتوريا ونيروبي، فإن التطورات الميدانية الأخيرة والتقارير الإنسانية تشير إلى أن سكان الإقليم لا يزالون يدفعون ثمنًا باهظًا لعسكرة المشهد السياسي والصراع على النفوذ في القرن الإفريقي.
كيف يُخنق إقليم تيجراي بين البنادق والحدود المغلقة؟
تيجراي بين كماشة أديس أبابا وأسمرة: جوع بطيء وحرب لا تعلن نفسهاممرات إنسانية على الورق وحصار على الأرض: من يدفع فاتورة تجويع تيجراي؟إثيوبيا تضيق الخناق على الشمال: هل كان الحصار على تيجراي «استراحة محارب» قبل جولة جديدة؟
خلفية الصراع وذاكرة الحصاراندلعت الحرب في تيجراي أواخر عام 2020 بين الحكومة الفيدرالية وقوات جبهة تحرير شعب تيجراي، وانتهت رسميًا بتوقيع اتفاق سلام في بريتوريا ثم خطة تنفيذية في نيروبي عام 2022، نصت على وقف دائم لإطلاق النار، ونزع سلاح قوات تيجراي، وضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق.
غير أن السنوات الأولى للصراع شهدت فرض حصار واسع على الإقليم، شمل قطع الكهرباء والاتصالات وتقييد المرور أمام قوافل الإغاثة، وهو ما دفع منظمات دولية إلى التحذير من مجاعة من صنع الإنسان
تقارير حقوقية وإنسانية وثقت آنذاك منع وصول معظم الشحنات المطلوبة من الغذاء والدواء، حيث أشارت تقديرات إلى أن الإقليم كان يحتاج إلى 100 شاحنة مساعدات يوميًا، بينما لم يصل خلال أول مئة يوم من الحصار سوى ما يزيد قليلًا عن 600 شاحنة في المجمل.
هذا الوضع جعل تيجراي نموذجًا لحصار شامل استخدمت فيه أدوات التجويع الجماعي، وانقطاع الخدمات الأساسية، كوسائل ضغط عسكرية وسياسية.
تصاعد التوترات مجددًا ومخاوف من «خنق» الإقليمبعد مرور أكثر من عام على توقيع اتفاق السلام وفتح ممرات إنسانية محدودة، عادت الأضواء إلى تيجراي في مطلع 2026 مع تسجيل مواجهات مسلحة جديدة في غرب الإقليم قرب الحدود مع إقليم أمهرة، وبالتحديد في منطقة تسيليمتي المتنازع عليها.
الأمم المتحدة حذرت هذا الشهر من خطر «أزمة جديدة» في تيجراي، عقب اشتعال الاشتباكات بين قوات الدفاع الوطني الإثيوبية والقوات الأمنية في الإقليم، قبل أن تنسحب الأخيرة من بعض المناطق في بداية فبراير في محاولة لاحتواء التصعيد.
تقارير ميدانية أشارت إلى اضطرابات في الحياة اليومية داخل تيجراي، حيث عمد السكان إلى سحب أموالهم من البنوك تحسبًا للأسوأ، وتراجعت حركة الأسواق والنقل وسط مخاوف من عودة الإقليم إلى حالة العزلة التي عاشها خلال الحرب.
كما كشفت تحليلات أمنية عن حشود عسكرية متبادلة بين القوات الفيدرالية وقوات تيجراي، مع نشر مدفعية ثقيلة ودبابات في مناطق التماس، ما يعزز سيناريو «التطويق» العسكري للإقليم وإن لم يُعلن رسميًا كحصار شامل حتى الآن.
الواقع الإنساني: حصار يتخفى في ثياب سلام
برغم تحسن نسبي في وصول المساعدات بعد اتفاق 2022، فإن مؤسسات إنسانية دولية تشير إلى أن آثار الحصار السابق ما زالت حاضرة بقوة، وأن الخدمات الصحية والبنى التحتية في تيجراي لم تستعد عافيتها بعد.
اللجنة الدولية للصليب الأحمر، على سبيل المثال، أكدت أنها ضاعفت استجابتها منذ إعادة فتح الممرات، وأرسلت مئات الشاحنات وعشرات الرحلات الجوية المحملة بالأدوية والمعدات، لكنها شددت على أن ما يصل لا يزال أقل بكثير من حجم الاحتياج، خاصة في القرى والمناطق الريفية.
تقرير أممي حديث حذّر من أن أي عرقلة جديدة لحركة المساعدات أو تنقل المدنيين في ظل التصعيد العسكري قد تعيد الإقليم سريعًا إلى حافة الكارثة، في ظل هشاشة الأمن الغذائي واستمرار معدلات سوء التغذية المرتفعة لدى الأطفال والأمهات.
وتربط منظمات الإغاثة بين ما تصفه بـ«محاصرة بطيئة» عبر إهمال إعادة الإعمار وتأخير التمويل، وبين محاصرة مباشرة عبر القيود الأمنية والإدارية على الطرق وخطوط الإمداد، ما يجعل الفاصل بين الحرب والسلام في تيجراي «هشًا وملتبسًا».
أبعاد إقليمية ودولية لتشديد الخناق
تطورات تيجراي لا يمكن فصلها عن التوترات الأوسع في القرن الإفريقي، سواء على الجبهة الإثيوبية–الإريترية، أو في ظل الخلافات مع السودان، والمنافسة على النفوذ في البحر الأحمر.
تقارير بحثية حذرت مؤخرًا من أن أي عودة واسعة للحرب في تيجراي ستفتح الباب أمام صراع أوسع يشمل أطرافًا إقليمية، ويضاعف موجات النزوح واللجوء في منطقة تعاني أصلًا من تغير المناخ والأزمات الاقتصادية.
في هذا السياق، ترى مراكز دراسات أن الحكومة الإثيوبية تستخدم تشديد السيطرة على تيجراي – أمنيًا واقتصاديًا – كجزء من استراتيجية أوسع لإحكام قبضتها على الشمال والتفاوض من موقع قوة في ملفات داخلية وخارجية، من بينها العلاقات مع إريتريا وترتيبات الحدود والنفوذ العسكري.
في المقابل، تحاول سلطات تيجراي، ومعها فصائل داخل جبهة تحرير شعب تيجراي، استثمار الضغوط الدولية الإنسانية لتخفيف القبضة الفيدرالية وتثبيت قدر من الحكم الذاتي الفعلي على الأرض.
ضغوط دولية ونقاش حول المساءلة
الأمم المتحدة عبرت عن قلقها من تجدد القتال، ودعت أطراف النزاع إلى الالتزام الصارم باتفاق وقف إطلاق النار وضمان حماية المدنيين وتيسير وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
كما جدّد مسؤولو وكالات الإغاثة نداءاتهم للحكومة الإثيوبية برفع أي قيود أمنية أو إدارية من شأنها تعطيل قوافل الغذاء والدواء إلى الإقليم، محذرين من أن «الوقت ينفد» لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في المناطق الأكثر تضررًا.
في الوقت نفسه، يتزايد الحديث داخل الأوساط الحقوقية عن ضرورة محاسبة المسؤولين عن سياسة الحصار السابقة، التي وُصفت في تقارير دولية بأنها استهدفت المدنيين بشكل مباشر عبر التجويع وحرمانهم من الخدمات الأساسية، في انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني.
وتعتبر هذه الأصوات أن غياب المساءلة عن حصار الأمس يشجع على تكرار ممارسات «خنق» الإقليم اليوم، سواء عبر السلاح أو عبر البيروقراطية والمماطلة في فتح الممرات.
تيجراي بين حصارين: الجغرافيا والسياسة
بين جغرافيا وعرة تحيط بها أقاليم متنازع معها وحدود حساسة مع إريتريا، وسلطة مركزية تسعى لاستعادة هيبتها بعد حرب مدمرة، يجد إقليم تيجراي نفسه مرة أخرى محاصرًا بين أسوار السياسة والسلاح.
ورغم أن «الحصار» اليوم قد لا يأخذ شكل الإغلاق الكامل كما كان في 2021، فإن مزيج التوتر العسكري، وضعف الخدمات، وتباطؤ المساعدات، يخلق واقعًا خانقًا لا يقل قسوة على حياة المدنيين.
في ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى مستقبل تيجراي مرهونًا بمدى جدية أطراف الصراع في الالتزام باتفاقات السلام، واستعداد المجتمع الدولي لممارسة ضغط حقيقي يضمن رفع أي شكل من أشكال «المحاصرة» عن الإقليم، ووصول المساعدات وإعادة الإعمار إلى من يحتاجونها بعيدًا عن حسابات الكسب والخسارة في لعبة السلطة.











