جنيف – المنشر الاخباري، 26 فبراير 2026، في موقف دبلوماسي لافت اتسم بالحزم والوضوح، أكدت دولة الإمارات العربية المتحدة تمسكها الكامل بحقها في الرد على ما وصفته بـ”الاتهامات الكاذبة التي لا أساس لها من الصحة”، الصادرة عن أحد أطراف النزاع السوداني، مشيرة إلى أن تلك الادعاءات ما هي إلا محاولة مكشوفة لصرف الأنظار عن انتهاكات جسيمة ترتكبها الخرطوم بحق شعبها. وجاء ذلك على هامش الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة في مدينة جنيف، في رد أبعد ما يكون عن المجاملة الدبلوماسية المعتادة.
كلمة نارية في قلب جنيف
ألقت شهد مطر، نائبة المندوب الدائم للإمارات لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في جنيف، كلمة بالغة الأثر أمام المجلس، لم تترك مجالا للالتباس في موقف أبوظبي من الاتهامات السودانية.
وقالت مطر في عبارة لا تخلو من سخرية دبلوماسية حادة إن ما صدر عن الطرف السوداني “ليس سوى أحدث محاولة فاشلة لإلقاء المواعظ على هذه القاعة بشأن سيادة القانون”، في إشارة واضحة إلى ما وصفته بازدواجية المعايير لدى طرف يوجه اتهامات للآخرين بينما يقف هو نفسه في قفص الاتهام أمام المجتمع الدولي.
وأضافت المسؤولة الإماراتية أن الطرف المعني “يقف متهما بارتكاب جرائم حرب ضد شعبه”، مؤكدة أنه “عمد بصورة منهجية، مرة تلو الأخرى، إلى تقويض أي جهد إقليمي ودولي صادق للتوصل إلى حل دبلوماسي للنزاع”.
وهي اتهامات بالغة الخطورة تضع الخرطوم في موقف دفاعي أمام قاعة دولية تضم ممثلي عشرات الدول والمنظمات الحقوقية الدولية.
سجل انتهاكات موثق أمام الرأي العام الدولي
لم تكتف مطر بنفي الاتهامات الموجهة لبلادها، بل حملت معها إلى قاعة مجلس حقوق الإنسان ملفا ثقيلا من الانتهاكات الموثقة التي تنسبها إلى الطرف السوداني المتهم.
وأكدت أن هذا الطرف أبدى “لامبالاة محسوبة إزاء معاناة الشعب السوداني”، وهو وصف يحمل دلالة سياسية عميقة، إذ يشير إلى أن الإهمال ليس وليد العجز بل وليد الاختيار المتعمد.
وعددت مطر جملة من الانتهاكات الموثقة التي تنسبها إلى هذا الطرف، شملت: انتهاكات صريحة لحقوق الإنسان وللقانون الدولي الإنساني، وعرقلة ممنهجة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، ومهاجمة البنية التحتية المدنية بما فيها المستشفيات والمدارس والمرافق الحيوية، فضلا عن تنفيذ إعدامات موجزة خارج نطاق القضاء، وممارسة أعمال عنف جنسي وعنف قائم على النوع الاجتماعي في حق المدنيين العزل.
وهذه اتهامات من شأنها، إن صحت، أن تضع مرتكبيها في دائرة المحاسبة الدولية.
إخفاق في المساءلة وروابط بالتطرف
وذهبت الدبلوماسية الإماراتية إلى أبعد من ذلك حين أشارت إلى أن الجهة ذاتها التي توجه الاتهامات لأبوظبي “فشلت في ضمان إجراء تحقيقات محايدة أو تحقيق أي مساءلة حقيقية” فيما اقترفته من انتهاكات، في إشارة إلى ما تعتبره الإمارات ثقافة إفلات من العقاب متجذرة في سلوك هذا الطرف.
بل ذهبت مطر إلى ما هو أشد وطأة وأكثر إثارة للجدل، حين كشفت عن وجود “روابط فعلية بالتطرف” لدى هذا الطرف في النزاع، مؤكدة أن هذه الروابط تثير “قلقا بالغا لوفد بلادي وللمجتمع الدولي ككل”. وهو اتهام إن تجذر في الوثائق والأدلة، سيلقي بتداعيات جسيمة على مستقبل العلاقة بين المجتمع الدولي وأطراف النزاع السوداني.
الإمارات تعيد تأكيد موقفها الداعم للسلام
في المقابل، حرصت الإمارات على أن يتضمن موقفها البعد الإيجابي البناء، إذ جددت تأكيدها على دعمها الثابت لكل الجهود الرامية إلى إنهاء النزاع السوداني عبر المسار الدبلوماسي بعيدا عن منطق الغلبة العسكرية.
وشددت على أولوية حماية المدنيين السودانيين الذين باتوا يدفعون ثمنا باهظا من أرواحهم وكرامتهم جراء صراع لم يختاروه، كما أكدت ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق أو إملاءات سياسية، بما يسهم في نهاية المطاف في تحقيق الأمن والاستقرار الذي يستحقه الشعب السوداني.
وعلى الصعيد الأشمل، يعكس هذا السجال الدبلوماسي الحاد في قاعات جنيف حجم التشابك والتعقيد اللذين يكتنفان الأزمة السودانية، التي لم تعد مجرد نزاع داخلي بين قوتين متصارعتين، بل باتت ملفا إقليميا ودوليا متشعبا تتقاطع فيه مصالح دول كبرى وتتصادم فيه روايات متناقضة، بينما يواصل ملايين السودانيين دفع ثمن هذا التصارع من لحمهم ودمهم.











