تتقدم العلاقة بين الذكاء الاصطناعي واستطلاعات الرأي العام بسرعة لافتة، لتتحول من مجرد أداة مساعدة في جمع البيانات إلى لاعب رئيسي في فهم، وقياس، وأحيانًا توجيه اتجاهات الرأي العام حول العالم.
هذه النقلة تفتح آفاقًا واسعة أمام الباحثين وصناع القرار، لكنها تثير في الوقت نفسه أسئلة عميقة حول الدقة، والتحيز، والأمن الديمقراطي في زمن باتت فيه الخوارزميات قادرة على محاكاة البشر في الإجابة على الاستبيانات بشكل شبه كامل.
كيف غيّر الذكاء الاصطناعي طريقة قياس الرأي العام؟
أحد أهم التحولات خلال الأعوام الأخيرة هو استخدام خوارزميات تحليل المشاعر واستخراج الآراء من المحتوى الهائل المنشور على شبكات التواصل الاجتماعي، بدل الاعتماد الحصري على الاستبيانات الهاتفية أو الميدانية التقليدية.
هذه الخوارزميات تقرأ نصوص التغريدات والمنشورات والتعليقات، وتحدد ما إذا كانت المواقف إيجابية أو سلبية أو حيادية تجاه قضية أو مرشح أو سياسة معينة، مع القدرة على تتبع تغير هذه المواقف زمنيًا.
توضح دراسات متخصصة أن تحليل المشاعر عبر الذكاء الاصطناعي مكّن الباحثين من التنبؤ بنتائج انتخابات في عدة دول بدقة ملحوظة، بالاعتماد فقط على ما يكتبه الناخبون على المنصات الرقمية دون سؤالهم مباشرة في استطلاع رأي تقليدي.
وتخلص إحدى الدراسات المنشورة عن استخدامات الذكاء الاصطناعي في قياس اتجاهات الرأي العام إلى أن المراقبة الآلية للمحتوى على شبكات التواصل تمثل «أداة قوية للغاية» يمكن تعميمها للتنبؤ بنتائج أي انتخابات تقريبًا.
مزايا الذكاء الاصطناعي في استطلاعات الرأييمنح الذكاء الاصطناعي استطلاعات الرأي مجموعة من المزايا التي لم تكن متاحة بنفس القوة في الماضي.
أبرز هذه المزايا:السرعة: القدرة على تحليل ملايين المنشورات في فترات زمنية قصيرة جدًا، ما يتيح قياس «نبض» الرأي العام شبه لحظيًا، خاصة في الأزمات والأحداث المفاجئة.
خفض التكلفة: تجنّب تكاليف فرق الباحثين الميدانيين والاتصال الهاتفي، مع الاعتماد على بيانات متاحة بالفعل على المنصات الرقمية.
دقة أكبر في بعض الحالات: تجاوز مشكلة العينات غير الممثلة في الاستطلاعات التقليدية، عبر الوصول إلى طيف واسع من المستخدمين وتحليل سلوكهم الطبيعي وليس إجاباتهم المعلنة فقط.
فهم أعمق: لا يتوقف الذكاء الاصطناعي عند «نسبة التأييد» أو «الرفض»، بل يستخرج طبقات إضافية مثل السخرية، والغضب، والخوف، والثقة، ما يغني قراءة المزاج العام.
في العالم العربي، برزت دراسات تستكشف تصورات الرأي العام تجاه الذكاء الاصطناعي نفسه، وربطته بأسئلة الهوية والثقافة، وناقشت الحاجة إلى نماذج ذكاء اصطناعي عربية تعكس القيم واللغة والسياقات المحلية.
هذه الأبحاث تستفيد بدورها من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل الإجابات المفتوحة والبيانات النصية، ما يجعل العلاقة بين الطرفين علاقة «انعكاسية»؛ موضوع وأداة في الوقت نفسه.
الوجه المظلم: تحيزات وتزييف واستطلاعات «مخترقة»رغم هذه المزايا، تحذر أبحاث متزايدة من أن الذكاء الاصطناعي نفسه بات تهديدًا لبنية استطلاعات الرأي، وليس مجرد أداة لتطويرها.
دراسة حديثة صادرة عن باحثين في جامعة دارتموث بيّنت أن النماذج اللغوية الكبيرة يمكنها الإجابة على الاستبيانات العامة بطريقة تجعل من شبه المستحيل تمييزها عن إجابات البشر، مع القدرة على تبني «شخصيات» وسلوكيات مختلفة بحسب المطلوب.
الدراسة نفسها أظهرت أن عددًا محدودًا من الاستجابات الزائفة عبر الذكاء الاصطناعي – يتراوح بين 10 و52 ردًا فقط – كان كافيًا لقلب النتائج المتوقعة في سبعة استطلاعات وطنية تتعلق بالانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 خلال الأسبوع الأخير من الحملة.
هذا يعني أن استطلاعًا يُفترض أنه يعبّر عن توجّه ناخبين حقيقيين يمكن أن يتأثر بشدة عبر «حقن» استجابات ذكية متنكرة في صورة بشر، دون أن تلتقطها آليات التحقق الحالية.
من ناحية أخرى، تذهب أوراق بحثية عربية إلى أن منصات التواصل نفسها تستخدم خوارزميات ذكاء اصطناعي للتحكم في المحتوى المعروض للمستخدمين، من خلال «البوتات الاجتماعية» و«الذباب الإلكتروني» وصناعة التريند، بما يخلق بيئة اتصالية قادرة على توجيه الرأي العام بدلاً من قياسه فقط.
بهذا المعنى، لا يعود السؤال فقط: كيف نقيس الرأي العام؟ بل: إلى أي مدى ما نقيسه هو نتاج هندسة خوارزمية سابقة؟
الرأي العام تجاه الذكاء الاصطناعي نفسه
في المقابل، أصبحت استطلاعات الرأي أداة أساسية لفهم كيفية تلقي الجمهور لتقنيات الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على حياتهم.
تظهر بيانات دولية أن ثلثي الناس تقريبًا باتوا يعتقدون أن المنتجات والخدمات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي ستؤثر بشكل كبير على حياتهم اليومية خلال ثلاث إلى خمس سنوات.
استطلاع رأي أُجري عام 2025 أظهر أن 75٪ من المشاركين مهتمون بالذكاء الاصطناعي، وأن 70٪ يرون أن تأثيره على المجتمع إيجابي، رغم استمرار مشاعر الريبة والخوف لدى نسب معتبرة من المستطلَعين.
وفي الولايات المتحدة، كشف استطلاع لمؤسسة متخصصة في سياسات الذكاء الاصطناعي أن أغلبية الناخبين من مختلف الانتماءات السياسية يقلقون من مخاطر الذكاء الاصطناعي ويدعمون تشريعات لتنظيمه، مع اعتقاد 83٪ منهم أن الذكاء الاصطناعي قد يتسبب عرضيًا في حدث كارثي إذا تُرك دون تنظيم.
إلى أين تتجه هذه العلاقة؟
تتجه العلاقة بين الذكاء الاصطناعي واستطلاعات الرأي العام نحو مزيد من التعقيد والترابط؛ فالذكاء الاصطناعي أصبح في آن واحد أداة لقياس الرأي، وموضوعًا لهذه القياسات، وعنصرًا قادرًا على التلاعب بنتائجها.
هذا يفرض على المؤسسات البحثية والشركات ومراكز استطلاعات الرأي تطوير آليات تحقق أكثر صرامة من هوية المشاركين، والاستثمار في أدوات قادرة على رصد «البصمة الخوارزمية» في الإجابات، إلى جانب تحديث الأطر الأخلاقية والقانونية.
في النهاية، يبدو أن مستقبل استطلاعات الرأي لن يكون مجرد تحديث في الوسائل، بل إعادة تعريف شاملة لسؤال: من هو «الجمهور» الذي نقيس رأيه في عصر تختلط فيه أصوات البشر بأصوات الخوارزميات، وتصبح الشفافية والثقة رأس المال الحقيقي لأي قياس للرأي العام.










