في ضوء عودة وزارة الدولة للإعلام إلى التشكيل الحكومي الجديد، تتجه الأنظار بقوة إلى مستقبل الإعلام المصري وفرص إصلاحه بعد سنوات من الجدل حول أدوار الهيئات المنظمة، وحدود الحرية، وأزمة الثقة مع الجمهور.
وتزامنت هذه العودة مع تحركات حكومية وتشريعية تهدف إلى إعادة هيكلة بعض الكيانات المرتبطة بالمنظومة الإعلامية، بما يعكس إدراك الدولة لحساسية اللحظة الإعلامية داخليًا وخارجيًا.
تطوير الإعلام بين وعود المنصات الرسمية وآمال الصحفيين: من يضع النقاط على الحروف؟عودة الوزارة وترتيب البيت من الداخلقرار إعادة وزارة الدولة للإعلام جاء ضمن التعديل الوزاري الأخير، مع إسناد الحقيبة إلى الكاتب الصحفي ضياء رشوان، الذي يجمع بين خبرة نقابية ورئاسة الهيئة العامة للاستعلامات سابقًا.
وتزامن ذلك مع توجيهات رئاسية بوضع خريطة طريق شاملة لتطوير الإعلام المصري، في امتداد لاجتماعات سابقة عقدها الرئيس مع رؤساء الهيئات الإعلامية في أغسطس 2025 لبحث مستقبل المنظومة.
أحدث خطوة عملية تمثلت في موافقة مجلس الوزراء على نقل تبعية الهيئة العامة للاستعلامات من رئاسة الجمهورية إلى وزارة الدولة للإعلام، ما يمنح الوزارة ذراعًا تنفيذية مهمة في مجال إدارة الصورة الذهنية عن مصر داخليًا وخارجيًا.
ويُنظر إلى هذا التحرك باعتباره بداية إعادة توزيع للأدوار بين مؤسسة الرئاسة، والوزارة، والهيئات الثلاث (المجلس الأعلى للإعلام، الهيئة الوطنية للصحافة، الهيئة الوطنية للإعلام) في محاولة لإنهاء حالة التداخل والالتباس التي شابت السنوات الماضية.
ملامح الدور الجديد للوزارة
وفق ما تم توضيحه من خبراء في القانون الدستوري والإعلام، فإن وزارة الدولة للإعلام لن تحل محل الهيئات المستقلة، بل ستكون معنية باقتراح السياسة الإعلامية العامة للدولة والتنسيق على مستويين: مع رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء من جهة، ومع الهيئات الإعلامية من جهة أخرى.
ويشمل ذلك وضع تصوّر شامل للرسالة الإعلامية داخليًا وخارجيًا، ومتابعة طريقة تمثيل الحكومة أمام الرأي العام، خاصة في أوقات الأزمات والأحداث الكبرى.
التكليفات الرسمية تتضمن أيضًا دعم الإعلام الرسمي وتمكينه من العودة إلى دائرة المنافسة مع المنصات الخاصة والإقليمية، بالتوازي مع تدعيم حرية الإعلام الخاص وضبط ممارساته في إطار من المهنية واحترام القانون.
كما تضع الحكومة على عاتق الوزارة مراجعة وتطوير أداء المكاتب الإعلامية في الوزارات المختلفة، لضمان تدفق منظم للمعلومات، وسرعة الرد على الشائعات، وتقديم رواية حكومية متسقة للرأي العام.
مقترحات لتطوير المنظومة في ضوء التطورات الجديدةالمشهد الراهن يفتح الباب أمام حزمة واسعة من المقترحات، يتقاطع فيها ما تطلبه الدولة مع ما تنادي به المؤسسات الصحفية والنقابية والخبراء منذ سنوات
ويمكن تلخيص أهم محاور التطوير المطروحة – أو المنتظرة – في النقاط التالية:إعادة تعريف العلاقة بين الوزارة والهيئات:تأكيد استقلالية المجلس الأعلى للإعلام والهيئتين الوطنيتين، مع تفعيل نصوص الدستور والقوانين التي تنظم أدوارها في الترخيص والرقابة المهنية وإدارة المؤسسات القومية.
قصر دور الوزارة على التخطيط الاستراتيجي والتنسيق، بعيدًا عن التدخل المباشر في المحتوى، حفاظًا على الحد الأدنى من التعددية والثقة.
تعزيز حرية التعبير وتوسيع المجال العام:مطالبات صحفية وحقوقية تربط بين أي مشروع حقيقي لتطوير الإعلام وبين توسيع هامش الحرية ووقف التضييق على العمل الصحفي، باعتبار أن الإعلام «الحَي» لا ينشأ بأوامر تنظيمية فقط.
الدعوة لإقرار قانون لحرية تداول المعلومات، كشرط أساسي لتمكين الصحفيين والمؤسسات من أداء دورهم الرقابي والمهني بعيدًا عن الاجتهاد في فراغ المعلومات.
إصلاح أوضاع الصحفيين والمؤسسات:الحاجة إلى خطة لإنقاذ الصحف القومية من أزماتها المالية، عبر إعادة هيكلة الديون، وتنمية الأصول، والاستثمار في النسخ الرقمية، مع الحفاظ على دورها كخدمة عامة وليست فقط كيانات تجارية.
تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للصحفيين، وربط التدريب والترقي بالالتزام بالمهنية، بما يرفع جودة المحتوى ويقلل من الانزلاق نحو الإثارة أو النقل غير المنسوب.
التحول الرقمي وإعادة بناء المحتوى:وضع استراتيجية واضحة لتطوير الإعلام الإلكتروني والرقمي، تشمل دعم المنصات الرسمية، وتحديث البنية التكنولوجية لماسبيرو والصحف القومية، وإتاحة مساحة أكبر للأجيال الشابة في غرف الأخبار.
تبنّي معايير إنتاج محتوى ينافس إقليميًا، سواء عبر المنصات الاجتماعية أو خدمات البث، مع الاعتراف بأن المنافس الرئيسي اليوم ليس فقط القنوات التقليدية، بل صناع المحتوى المستقلون والمؤثرون.
إصلاح الاتصال الحكومي:تطوير أداء المكاتب الإعلامية في الوزارات والهيئات، وتحويلها من «مكاتب بيانات» إلى وحدات اتصال استراتيجي تتابع ما يُنشر، وتتفاعل مع الجمهور والإعلام بسرعة وشفافية نسبية.
توحيد الرسائل الحكومية الأساسية في الملفات الكبرى، بحيث لا تتضارب التصريحات وتفقد الجمهور الثقة في الرواية الرسمية، خاصة في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
بين فرصة الإصلاح ومخاوف العودة للوراءجزء من الجدل الدائر في الأوساط الإعلامية يتمحور حول سؤال أساسي: هل تعني عودة وزارة الإعلام خطوة إلى الوراء باتجاه مركزية القرار، أم فرصة لإدارة أكثر احترافية وتنسيقًا بين الجهات المختلفة؟
المؤيدون يرون أن غياب «العقل المركزي» أفرز فوضى في الرسائل وتناقضًا في الخطاب، وأن وجود وزارة بولاية سياسية واضحة يسهّل محاسبتها على النتائج ويمنح الإعلام الرسمي «صوتًا واحدًا» أكثر تماسكًا.
على الجانب الآخر، يحذر منتقدون من أن أي توسّع غير محسوب في صلاحيات الوزارة قد يقيد استقلال الهيئات ويُضعف مساحات الحوار والتعددية التي ينص عليها الدستور، ويحوّل ملف تطوير الإعلام إلى «إدارة صورة» أكثر منه إصلاحًا بنيويًا.
وبين هذين الاتجاهين، يبقى مستقبل الإعلام المصري رهينًا بقدرة وزارة الدولة للإعلام على تحويل التكليفات السياسية، والحوارات مع الهيئات والنقابات، إلى إجراءات ملموسة تعيد بناء الثقة مع الجمهور، وتفتح نافذة حقيقية لإعلام مهني قادر على مخاطبة الداخل والخارج بلغات متعددة وأساليب عصرية.









