رئيس جهاز الرئاسة الأوكراني: هدفنا تحويل روسيا إلى دولة مدنية وتقويض تهديداتها العالمية
كييف، 27 فبراير 2026 – المنشر الإخبارى
في تصريحات مثيرة للجدل قد تعيد تشكيل الخطوط السياسية في أوروبا وأوروبا الشرقية، كشف كيريلو بودانوف، رئيس جهاز الرئاسة الأوكراني، عن خطة طموحة تهدف إلى “سحق الطموحات الإمبراطورية لروسيا وتحويلها إلى دولة مدنية”، مشددًا على أن الهدف النهائي هو ضمان أمن أوكرانيا والعالم بأسره. تصريحات بودانوف، التي جاءت في مقابلة مع وسائل إعلام عربية نقلتها وكالة “أونيان”، أثارت ضجة واسعة بين المحللين السياسيين والدبلوماسيين، معتبرين أنها تعكس استراتيجية شاملة تعتمد على تقسيم روسيا إلى كيانات إقليمية مستقلة، لتفكيك النفوذ المركزي للكرملين.
روسيا بين الفقر والطموحات الإمبراطورية
وفقًا لبودانوف، فإن روسيا منذ غزوها لشبه جزيرة القرم عام 2014 تعاني من تدهور مستمر على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والديموغرافية. “اقتصاديًا، روسيا أضعف من أي وقت مضى، سياسيًا، مؤسساتها غير فعّالة، ديموغرافيًا، تواجه نقصًا في القوى العاملة المؤهلة”، يقول بودانوف، مضيفًا أن ما بقي ثابتًا فقط هو “طموحاتها الإمبراطورية التي يجب القضاء عليها بالكامل”.
وأشار بودانوف إلى أن هذه الطموحات تمثل تهديدًا مستمرًا لأوكرانيا وأوروبا، لافتًا إلى أن مواجهة هذه الطموحات لن تتحقق عبر الإصلاحات الداخلية الروسية فقط، بل يجب أن تتخذ أوكرانيا المبادرة لخلق “ظروف تؤدي إلى تفكيك الإمبراطورية الروسية تدريجيًا وتحويلها إلى دول مدنية مستقلة”.
تقسيم روسيا إلى دول إقليمية: رؤية استراتيجية
أوضح رئيس جهاز الرئاسة الأوكراني أن الخطة تتضمن نشوء عدة دول إقليمية على الأراضي الروسية، يكون كل منها ملتزمًا برفاهية شعوبه، وهي خطوة تهدف إلى تفكيك المركزية الروسية وإضعاف النفوذ العسكري والسياسي للكرملين. “فقط عندما تتشكل هذه الدول الإقليمية، ستشعر أوكرانيا وأوروبا والعالم بالاستقرار والأمان”، بحسب بودانوف.
ولفت إلى أن الفكرة ليست مجرد تحليل نظري، بل خطة عملية تتطلب سنوات من التخطيط والعمل الدبلوماسي والاستراتيجي. وقال: “لن يحدث هذا في المستقبل القريب، لكننا ملتزمون بتحقيق هذا الهدف طويل الأمد، ولن نسمح بعودة روسيا كقوة إمبراطورية تؤثر على الأمن الإقليمي والدولي”.
الحرب على الأراضي الأوكرانية: محور التوترات
وأشار بودانوف إلى أن الكرملين لا يزال يسعى للسيطرة على كامل الأراضي الأوكرانية وليس على مناطق منفردة فقط. وأضاف: “الشعب الأوكراني لن يقبل بأي مخطط روسي يمس أراضيه، وكل الأراضي المحتلة ستظل مؤقتًا تحت السيطرة الروسية لكنها ستُحرر عاجلًا أم آجلًا”.
وكان بودانوف قد أبرز أهمية قضية دونباس في المحادثات الأخيرة التي انعقدت في جنيف بمشاركة ممثلين من أوكرانيا والولايات المتحدة وروسيا، مؤكدًا أن موقف كييف بشأن وحدة الأراضي لا رجعة فيه، وأن أي اتفاق سياسي أو عسكري يجب أن يحترم هذا المبدأ.
أبعاد دولية واستراتيجية
تصريحات بودانوف تأتي في وقت يشهد فيه العالم تصاعدًا في التوترات العسكرية بين روسيا وأوكرانيا، وسط مخاوف أوروبية ودولية من توسع الصراع إلى ما هو أبعد من الأراضي الأوكرانية. ويؤكد خبراء أن الخطة التي طرحها بودانوف تهدف أيضًا إلى تقييد القدرة الروسية على التدخل في النزاعات الإقليمية الأخرى، بما في ذلك الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
وتعكس هذه الرؤية الأوكرانية تصاعد أهمية استخدام أدوات الضغط الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري معًا، من أجل إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي في أوروبا الشرقية. “إن تفكيك الإمبراطورية الروسية ليس مجرد خيار سياسي، بل ضرورة أمنية استراتيجية لأوكرانيا وأوروبا”، يقول محللون غربيون.
أبعاد داخلية: المجتمع الأوكراني والدعم العسكري
داخل أوكرانيا، لاقت تصريحات بودانوف ترحيبًا واسعًا من قطاعات كبيرة في المجتمع المدني والسياسي، الذين يرون أن روسيا منذ 2014 لم تعد دولة قابلة للتفاوض بشأن الأراضي أو النفوذ، وأن استراتيجية الحياد التدريجي وتحويل روسيا إلى كيانات مدنية مستقلة تمثل الوسيلة الأكثر أمانًا لحماية أوكرانيا.
كما أشار بودانوف إلى أن القوات المسلحة الأوكرانية ستلعب دورًا محوريًا في تحقيق هذه الرؤية، من خلال الحفاظ على جاهزيتها العسكرية، وتعزيز الدفاعات على الحدود، وتنسيق العمليات مع الحلفاء الأوروبيين والدوليين لضمان أي تحركات روسية محتملة.
ردود فعل متوقعة: الدبلوماسية الروسية والأوروبية
توقع خبراء أن هذه التصريحات ستثير ردود فعل قوية من الكرملين، الذي قد يعتبر أي حديث عن تقسيم الأراضي الروسية “تدخلًا مباشرًا” في شؤون الدولة الداخلية. كما قد تثير هذه الخطة نقاشات ساخنة داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي حول كيفية التعامل مع روسيا في المستقبل، خاصة فيما يتعلق بالسياسات الدفاعية والتعاون الأمني.
وفي الوقت ذاته، يرى محللون أن الإعلان العلني عن مثل هذه الخطط يعكس استراتيجية تهدف إلى بث رسالة واضحة: أوكرانيا لن تقبل بالعدوان الروسي وستسعى إلى ضمان أمنها بأي وسيلة، بما في ذلك إعادة تشكيل النظام الإقليمي بما يحمي أراضيها وشعبها.
تصريحات بودانوف تمثل نقطة فاصلة في السياسة الأوكرانية تجاه روسيا، حيث لم تعد الخطط تقتصر على الدفاع عن الأراضي وحدها، بل تشمل إعادة النظر في الهيكل السياسي الروسي ذاته، بهدف الحد من النفوذ الإمبراطوري وضمان أمن أوكرانيا وأوروبا.
إن هذه الاستراتيجية، رغم أنها بعيدة المدى وتتطلب سنوات من التخطيط والعمل الدبلوماسي والعسكري، تعكس رؤية جريئة تتعامل مع روسيا كتهديد مستمر يتطلب حلولًا شاملة وجذرية، وهي رؤية قد تعيد رسم خريطة الأمن الأوروبي والعالمي على المدى الطويل.











