تعيين الجنرال عبدالرزاق قائدا للسلاح الجوي الصومالي يفجر خلافا حادا داخل وزارة الدفاع، ويعيد فتح ملفات الولاءات العابرة للحدود والصراعات القبلية وسط توترات إقليمية متصاعدة في القرن الأفريقي
خاص| المنشر الإخباري، 27 فبراي 2026، في خطوة أثارت عاصفة من الجدل السياسي والأمني، أعلنت الحكومة الصومالية تعيين الجنرال عبدالرزاق، المنحدر من أصول إثيوبية، قائدا عاما للسلاح الجوي الصومالي.
وبدلا من أن يمر القرار هادئا كما تجري التعيينات العسكرية في الأحوال الاعتيادية، فجر ملفات شائكة طالما كانت مدفونة تحت الرماد: ملف الولاءات العابرة للحدود، وملف الاحتقان القبلي بين أكبر تكتلي القبائل الصومالية، وملف النفوذ الإريتري المتمدد بهدوء داخل هياكل الجيش الوطني.
من «قبر دار» إلى «ساو»: مسار رجل خارج المؤسسة
ينحدر الجنرال عبدالرزاق من مدينة قبر دار، إحدى المدن البارزة في إقليم أوغادين الإثيوبي، ويعود نسبه قبليا إلى قبيلة أوغادين المتفرعة من تكتل داروت الكبير، أحد أعمدة التركيبة القبلية الصومالية.
وقد كانت بداياته العسكرية بعيدة كل البعد عن المسار المؤسسي الاعتيادي؛ فلم يتخرج من أكاديمية عسكرية صومالية، ولم يترق في سلك الجيش الوطني خطوة خطوة.
فبدلا من ذلك، جاء اختياره من أعلى الهرم السياسي مباشرة. فحين كان الرئيس السابق محمد عبدالله فرماجو، المنتمي إلى قبيلة داروت ذاتها، يضع مخططاته لبناء كتلة عسكرية موالية له، انتقى عبدالرزاق بعناية ضمن مجموعة مختارة من أبناء القبيلة، وأوفدهم إلى إريتريا.
وقضى هؤلاء ما يقارب سبع سنوات في معسكر ساو الإريتري الذي طالما اقترن اسمه بظروف التدريب القاسية وغموض الأهداف، تحت إشراف مباشر من نظام أسمرة.
وكان الهدف المعلن تأهيل نواة صلبة لجيش صومالي محترف يعيد للدولة هيبتها، وإن كان المراقبون يرون في ذلك مشروعا لبناء قوة موالية لفرماجو شخصيا قبل أن تكون موالية للدولة.
انهار هذا المخطط حين أطاحت انتخابات 2022 بفرماجو، فبقي عبدالرزاق ورفاقه عالقين في إريتريا دون سبيل واضح للعودة، وكأنهم رهائن لانتهاء دورة سياسية لم يحسبوا لنهايتها حسابا.
معضلة حسن الشيخ: الورقة الإريترية في مواجهة الثقل الإثيوبي
حين خلف حسن الشيخ محمود فرماجو على كرسي الرئاسة، وجد في ملف المدربين الإريتريين معادلة سياسية بالغة الحساسية.
فهو ينتمي إلى قبيلة الهوية، الخصم القبلي التاريخي لداروت، ومعظم هؤلاء المدربين ينتمون إلى داروت، والعودة تعني إدخال كتلة مسلحة مدربة إلى حضن الدولة مع احتمالات توظيفها في خدمة أجندات قبلية أو سياسية مناهضة، أما الإبقاء على الوضع مجمدا فيعني تركهم في قبضة أسمرة لسنوات إضافية.
آثر حسن الشيخ في البداية تجميد الملف، فلا قرار بالعودة ولا قرار بالإنهاء. لكن التطورات الإقليمية المتسارعة قلبت هذا الحساب؛ إذ وقعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال الانفصالي للحصول على منفذ بحري على خليج عدن، فشعرت مقديشو بأن القبضة الإثيوبية تحاول الإطباق على مناطق نفوذها. ثم جاء الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال ليضيف مزيدا من الضغط ويعيد رسم خريطة التحالفات في القرن الأفريقي.
في هذا السياق، تحولت الورقة الإريترية من عبء سياسي إلى أصل استراتيجي. فأسمرة وأديس أبابا في حالة عداء تاريخي متجذر، وتوثيق العلاقة مع إريتريا واستقدام الكوادر المدربة لديها بات مناسبا لإرسال رسالة غير مباشرة إلى إثيوبيا أن الصومال قادر على توظيف الأوراق الإقليمية المضادة. وهكذا فتح الباب لعودة عبدالرزاق ورفاقه، وكان تعيينه في القيادة الجوية تتويجا لهذه الصفقة الضمنية.
جنرال بلا نجوم حقيقية: إشكالية الرتبة والشرعية
لعل أكثر ما يغذي الجدل حول عبدالرزاق أن رتبته العسكرية لم تكتسب عبر المسار المؤسسي الصومالي، بل منحت له من النظام الإريتري خلال فترة تدريبه في معسكر ساو.
بمعنى آخر، هو جنرال بشهادة أسمرة لا بمرسوم من مقديشو ولا بناء على مسيرة قتالية موثقة في الميدان الصومالي.
ويرى منتقدو التعيين أن تولي شخص بهذه الخلفية قيادة عسكرية رفيعة يخلق سابقة خطيرة، تفتح الباب أمام تعيينات مستقبلية تستند إلى الولاءات الخارجية بدلا من الكفاءة والتسلسل الهرمي.
وزير الدفاع يرفض: خلاف يكشف عمق الانقسام
لم تبق المعارضة لهذا التعيين طي الكتمان؛ إذ خرج وزير الدفاع الصومالي علنا برفضه الصريح، واصفا عبدالرزاق بأنه أقرب إلى كونه عميلا للرئيس الإريتري أسياس أفورقي منه إلى كونه ضابطا في الجيش الوطني الصومالي.
هذا التصريح الحاد من وزير حكومي في مواجهة قرار رئاسي نادر في تقاليد العمل الحكومي الصومالي، يكشف حجم الانقسام الذي وصل إلى أعلى مستويات السلطة التنفيذية.
والأرجح أن هذا الخلاف لا يقتصر على شخص عبدالرزاق، بل يمتد إلى خلاف أعمق حول الاستراتيجية الأمنية برمتها: هل يجوز لمقديشو أن توظف الورقة الإريترية حتى لو كان ثمنها تنازل عن بعض السيادة في قرارات التعيين العسكري؟ وزير الدفاع يقول لا، والرئاسة تقول نعم، والجيش الصومالي يجد نفسه ساحة لهذا الجدل.
قيادة «سلاح شبحي»: مفارقة تختصر الحال
وتبلغ المفارقة ذروتها حين يتذكر المرء أن الجنرال عبدالرزاق عين قائدا لسلاح جوي لا وجود فعليا له؛ إذ تفتقر الصومال حتى اللحظة إلى قوة جوية مستقلة ذات طائرات وعتاد وقدرات تشغيلية حقيقية.
فهو قائد بلا طائرات، وجنرال بلا سلاح، وتعيين بلا محتوى مؤسسي حقيقي. ويرى المراقبون أن هذا التعيين الرمزي يهدف في جوهره إلى رسم خارطة سياسية لا خارطة عسكرية توطيد الشراكة مع أسمرة، واستمالة تيارات داروت الموالية لإريتريا، وإيصال رسالة إلى الداخل والخارج بأن مقديشو ماضية في مساعي بناء جيشها بمعزل عن الضغوط الإثيوبية.
المشهد الأكبر: القبيلة تقود الجيش والإقليم يرسم الخارطة
تختزل قضية عبدالرزاق في حقيقتها مأزق الدولة الصومالية في مرحلة إعادة البناء؛ فالقرارات العسكرية لا تصنع وفق معايير الكفاءة والخبرة، بل تمر أولا عبر مصفاة القبيلة ثم مصفاة التحالفات الإقليمية. والنتيجة مؤسسة عسكرية تفتقر إلى ذلك الرابط الجوهري الذي يلزم الجندي بالولاء للدولة قبل الولاء للعشيرة أو الزعيم.
ويرى محللون أن ما جرى يكشف كذلك حجم النفوذ الذي باتت تتمتع به أسمرة في الملف الأمني الصومالي؛ فهي استطاعت، من خلال سنوات التدريب في معسكر ساو، أن ترسخ أقدام حلفائها في قلب الهيكل العسكري الصومالي الجديد.
ولا يبدو أن مقديشو تدرك تماما أو تقبل أن تدرك علنا، أن استدعاء الورقة الإريترية في مواجهة إثيوبيا قد يكلفها ثمنا مستقبليا يتمثل في تنازلات متراكمة عن السيادة في القرارات الأمنية الكبرى.
وفي نهاية المشهد، يبقى عبدالرزاق قائدا لسلاح جوي لا يملك طائرة واحدة، ويبقى حسن الشيخ رئيسا يحاول الموازنة بين إرضاء حليف إريتري طموح وامتصاص غضب وزير دفاعه الرافض.
وبينما تتشكل ملامح القرن الأفريقي من جديد في ظل التوترات الإثيوبية الصومالية والاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، تقدم هذه القضية الصغيرة دليلا صارخا على أن الهشاشة المؤسسية هي العائق الأكبر أمام أي مشروع لبناء دولة صومالية قادرة وموحدة.










